تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ذلك أن البشر الذي يهوى الفردية المطلقة لنفسه يريد أن يبرر بطريقة أو بأخرى أعماله القبيحة ، فيتوسل بفكرة تعدد الآلهة حتى يطمئن نفسه بالخلاص من عقاب الله عن طريق التزلف إلى إله آخر . ولقد رأينا كيف أن الشيطان يمد أولياءه في هذا الغي عن طريق إعطاء الأماني الكاذبة التي تخدع الإنسان ، وتَعِده بالجنة بدون عمل . وفي هذه الآيات ينسف القرآن هذه القاعدة النفسية ، ويُبيّن أن الأماني لا تكون مقبولة أبداً عند الله . وإن المسؤولية موجودة اعترف بها البشر أو أنكرها ، وأن من يعمل سوءا أيا كان فله جزاؤه العادل . كما أن من يعمل الصالحات يجزى عليها من دون نقيصة ، وأن المقياس عند الله هو التسليم المطلق له لا التمرد عليه بحجة التحرر ، أما البرنامج العملي للإنسان فهو طريق إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا ، بعد أن أسلم وجهه لله . وفي الآية الأخيرة ذكر سبحانه أن له : مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ، وبذلك نفى القاعدة الثانية للشرك ، وهي جهل الإنسان بعظمة الله ، بواسع قدرته ، وبأنه لا يقارن بخلقه . بينات من الآيات : الأماني وواقع المسؤولية [ 123 ] هل تحصل على مليون دينار إذا حلمت بذلك أو تمنيتها ؟ وهل تبني مدينة كبيرة بمجرد التخيل بذلك والرغبة فيها ؟ كلا . . فكيف يريد البشر أن يحصل على الجنة ، وهي أغلى وأعظم من مليون دينار ، ومن مدينة كبيرة بمجرد الأمنية . إن مثل هذه الأمنية مثل شيخ كبير فقد أبنه العزيز عليه في حادثة مفاجئة ، ولهول الفاجعة لم يستطع أن يصدق بها ، فيمنّي نفسه بحياة ابنه في محاولة لتخفيف الألم عنه . وبالرغم من أنه يعلم بموت ابنه ، ولكنه يتهرب من عقله ، ويستريح إلى ظل خياله الوارف . كذلك الذين يتهربون من مسؤوليات أعمالهم بالأماني . إن نفوسهم صغيرة ، وإن عزائمهم ضعيفة ومتهاوية ، ولايقدرون على تحمل المسؤولية فيتهربون إلى ظل الخيال ، ويمنون أنفسهم بشتى الأماني ، ومنها مثلًا : أن ( المسيح ) سيفيدنا
من هدى القرآن — صفحة 127 | السيد محمد تقي المدرسي