تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
القلبية تجاه الآخرين ، فقال سبحانه : وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا « 1 » . وينهى ربُّنا عن التكبّر ، ويبيِّن سُنَّة هذه الوصية الاجتماعية ، بأنّ الإنسان كيان ضعيف فقال سبحانه : وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا « 2 » . ويبيِّن حكمة ذلك أيضا ( فيما يبدو ) والتي تتمثل في أنَّ هذه الصفات قد تكون حميدة ، ولكنها إذا كانت تعكس روح التعالي والتكبر تكون مكروهة ، فيقول سبحانه : كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً « 3 » . وفي خاتمة هذه الآيات ذات الوصايا الثمانية يُذكِّرنا ربك بأنّها من الحكمة الإلهية ( التي تتشعب منها أحكام شرعية كثيرة ) كما أنها بدورها تتشعب من توحيد الله ، وإخلاص العبودية له فيقول سبحانه : ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً « 4 » . تَدبَّر كيف وصل السياق بين الحكمة وبين التوحيد ( والنهي عن الشرك بالله ) باعتباره ينبوع الحِكَم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : [ رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الله عَزَّ وَجَلَّ ] « 5 » . وهكذا نستوحي من التدبر في هذه الآيات الكريمة ، إنَّ أحكام الشريعة تتفرع من شجرة التوحيد ، وإنّ أصولها الحكمة والسُّنَن الإلهية ، وإنَّ الراسخين في العلم يسعون أبداً لمعرفة أصول الحكمة ، وآفاق السنن . وهكذا يُعلِّمنا الدين كيف ينبغي أن نتعامل مع الأحكام الشرعية ، فنعمل بظاهرها ونتعرف على باطنها . فظاهرها - كما جاء في صفة القران الكريم - : [ فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ ] « 6 » . التكامل المعرفي بين الأصول والفروع بين معرفة الأصول المُحْكمة في الشريعة ، ومعرفة ما يتفرَّع عنها تكامُليّة لو تأمّلناها فإنّها سوف تُساهم في فقه الأحكام ، وتُيَسِّر لنا استنباط الفروع من الأصول . ومن أجل توضيح هذه
هامش
( 1 ) الاسراء : 36 . ( 2 ) الاسراء : 37 . ( 3 ) الاسراء : 38 . ( 4 ) الاسراء : 39 . ( 5 ) وسائل الشيعة : ج 15 ، ص 221 . ( 6 ) الكافي : ج 2 ، ص 598 .