تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
للحق ، والابتعاد عن الذاتية بكل صورها ، وعدم استخدام العلم والدين من أجل دعم المذهبية ، والعنصرية الضيقة ، وبالتالي من أجل حرمان الآخرين واستعبادهم واستغلال ثرواتهم . إن العالم اليوم يعاني من استخدام تقدم العلم في نشر الدمار في الأرض . إن نصف الأبحاث العلمية في العالم تتركز من أجل صناعة وتطوير آلة الحرب ، . والقسم الأكبر من النصف الثاني يُستثمر من اجل السيطرة على الشعوب المحرومة . وهذا بعيد عن رسالة العلم وخيانة لأمانته ومخالفة لعهد الله مع العلماء . وقديما كان الدين يُستغل من أجل الأهداف ذاتها . كان رجال الدين هم الذين حصروا أنفسهم في إطار العنصرية والإقليمية والقومية ، وساعدوا - بذلك - الطواغيت في فرض أنفسهم على الشعوب ، وفي استغلال واستعباد الشعوب ، وفي إثارة الخلافات المصلحية بينها ، في حين كانت رسالة الدين الحقيقية واحدة ، ورمزا للوحدة ونقطة التقاء بين الناس ، وأداة جمع وإصلاح بينهم . وفي هذه الآية يذكرنا القرآن بهذه الرسالة ، عبر الحديث عن الأنبياء ، وكيف أن الله تعالى أخذ منهم الميثاق والعهد ، بأن يصدق بعضهم ببعض ، وأن ينصر بعضهم بعضا ، وبالتالي ألَّا يتفرقوا في الدين بأي شكل من أشكال التفرقة ، ونجد في الآية تأكيدات شديدة على هذه المواثيق وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ أي لأني حملتكم رسالة الدين والعلم ، الدين المتمثل في الكتاب ، والحكمة المتمثلة في تطبيق الدين على واقع الحياة ، والذي يحتاج بالطبع إلى المعرفة بالحياة ( العلم ) ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ أمرهم بأن يؤمنوا بالرسول ، وينصرونه ، وجعل الأمر بصيغة مشددة للتأكيد عليه ، ثم قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ، طلب منهم الإقرار . وسمى عهده هذا ( بالإصر ) - وهو الحمل الثقيل - من أجل بيان أهميته ، حتى إذا أقدموا على إعطاء الميثاق يعرفون أيَّ عمل عظيم يقدمون عليه ، فلا يمتنعون في المستقبل عن أدائه ، قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ إنه بعد الإقرار طلب منهم الشهادة ، وكأنه أمرهم بالتوقيع النهائي على ورقة التعهد ، كل ذلك من أجل التأكيد على رسالة الدين ، والعلم في الحياة . [ 82 ] ثم أكد الله أهمية هذه الرسالة بالوعيد وقال : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ وبالطبع لا يتوانى أنبياء الله عن هذه الرسالة ، ولكن أتباعهم هم الذين يتولون وينالون نصيبهم من الفسق ، بالرغم من مظاهر الدين التي يتقنعون بها . [ 83 ] هذا دين الله دين واحد ، ذو قيمة واحدة ، هي قيمة التوحيد والتسليم لله ولا مكان فيه لقيم الأرض أو العنصر واللغة .
من هدى القرآن — صفحة 429 | السيد محمد تقي المدرسي