ثانياً : أن يعطوا لأنفسهم نوعا من القداسة المزيفة ، فإذا كان عيسى إلها فالأحبار أنبياؤه أو أنصاف آلهة . إن عبادة الذوات تقع بالضبط في الطرف الآخر لعبادة الله وان التمحور حول الأشخاص متناقض تماما للالتفاف حول الحق ، كما أن هؤلاء الخونة يريدون إبعاد البشر عن الحق وعن الله معا .
فإنهم يُشيعون عبادة الذوات في الناس تلك التي يقول عنها ربنا : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ كعيسى الذي لم يكن لديه شيء إلا من عند الله سبحانه ، وكان واحدا من الناس فرفعه الله إلى درجة الحكم والنبوة . . ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يمكن ذلك .
ألف : لأنه يعلم قبل غيره أن كل شيء يملكه هو من عند الله فلا يعمل عملا يسلبه بسببه الله كل شيء .
باء : لأن الله لا يختار لنبوته رجلا خائنا حاشاه .
وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ هذه دعوة عيسى إلى رجال الدين ، قال لهم : كونوا رجال دين تقدرون ربكم قبل ذواتكم وقبل مصالحكم ، لماذا ؟
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ، إن دراسة الكتاب وتعليمه للآخرين يحملكم مسؤولية كبرى ، هي ضرورة التطوع لله وعدم التفكير أبدا في ذواتكم ، تماما بعكس عبادة الذات .
[ 80 ] كذلك لم يكن عيسى عليه السلام ليأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، مثلما فعلت النصارى حين دخلت في ثقافتهم الأفكار الصنمية المشركة من مذاهب منحرفة ، فزعموا : أن كل القوى الكونية ، والتي تمثلها الملائكة ، أرباب وآلهة صغار ، يقاومون ضغط الإله الكبير في العرش ( سبحانه ) ، ويشفعون للناس رغما عنه . وبالتالي يجب توزيع العبادة بين الله ، وبين تلك الأرباب ، حيث تقتسم مع الله سلطانه ويقول الأحبار عنه : [ ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر ] وبالتالي يحدث فصل بين الدين والسياسة ، بين الآخرة والدنيا وهكذا وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
الالتزام بمسؤولية العلم ضمان الاستقامة
[ 81 ] وإن أهم مسؤولية من مسؤوليات العلم والدين ورسالتهما المقدسة الإخلاص
من هدى القرآن — صفحة 428
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٢٨