تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وليس يختص بفضل الله بنو إسرائيل ، لان الله الذي خلق بني إسرائيل ، وتفضل عليهم برسالته ، هو الذي خلق العرب . والخلق أمامه سواء ، وإنما خصهم الآن بالرسالة لما علمه من كفاءات حملها فيهم وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ولأنه واسع لا يخصص فضله لجماعة دون أخرى ، ولأنه عليم يجعل في كل فترة رسالته في موقع معين ، تبعا للحكمة البالغة والمصلحة العامة . [ 74 ] ولأن الله سبحانه عليم ، ولأنه فعال لما يريد فلايحق لأحدٍ أن يعترض على مشيئته ، لأنه أعلم حيث يجعل رسالته ؛ من هنا فهو : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وفي خاتمة الآية إشارة لطيفة للناس ألا يتحاسدوا وألا يتمنى كل واحدٍ استلاب النعمة من الآخر ، بل عليهم أن يسألوا الفضل من الله ، لأنه سبحانه ذو فضل عظيم . وهذا هو الذي يسمى غبطة وهي صفة حميدة . [ 75 ] لذلك نجد أن الله يختار اليهود تارة ، والعرب تارة . وبالطبع إن هذه العنصرية لم تكن جزءا من رسالتهم السماوية ، بدليل أن بعضهم - وهم المتمسكون جيدا برسالتهم - كانوا يؤدون الأمانة ، حتى القنطار من الذهب * وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِما وتطالبه به بقوة حتى تستلم أمانتك منه . ولكن لماذا يخونون الأمانة ؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فلا يحاسبنا الله على الخيانة بالعرب الأميين ، أو بالأحرى على الخيانة بكل شعب غير شعب اليهود ، الذي نزلت عليه ومن أجله فقط رسالة السماء وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ إذ لم ينزل الله دينا عنصريًّا لناس دون ناس . ولكن دوافع هؤلاء الحقيقية هي دوافع مصلحية ، وعصبية ، ولذلك يتلبسون بالدين عمدا . [ 76 ] وقد رأينا كيف أن الله يمدح طائفة من اليهود ، لأنهم يؤدون الأمانة ، إن ذلك دليل بسيط على أن رسالة السماء لا تعترف بالعنصرية أبدا ، والقيمة الوحيدة عندها هي العمل الصالح ، بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ سواء كان ذلك العهد هو المال كما في الآية السابقة ، أو كان العلم الذي حمَّله إياه الله لكي ينشره بين الناس . ولكن العصبية الجاهلية العمياء ، هي التي أملت على اليهود مخالفة الهدى من ربهم لمجرد أنه أنزله على العرب ، والواقع أن هذه العصبية انتهت بهم إلى عنصرية عمياء ، فإذا بهم تجدهم يخونون أمانات الناس - مثلا - من دون أي حرج ، بزعمهم أنهم لا يحاسبون على الذنوب التي يرتكبونها في حق الأميين .
من هدى القرآن — صفحة 423 | السيد محمد تقي المدرسي