إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً أي تخشوا من بطشهم ، وآنئذ سيكون التسليم لولايتهم تسليما ظاهريا فقط . في حين أنهم يحتفظون بانتمائهم الحقيقي لرسالتهم الصحيحة .
إن التقاة ممارسة عملية الجهاد سرية ضد الطغاة ، وهي عملية صعبة ليست فقط لاحتمالات الخطر التي تهدد الرسالي في كل لحظة ، وإنما - أيضا - لاحتمال الاستسلام لإغراءات السلطة والثروة و . و . التي لابد أن يتصارع الرسالي معها طوال الفترة التي يقوم بالعمل السري .
إن مثل الرسالي هنا كمثل الطبيب الذي يعالج طائفة من المجذومين فلو لم يكن في جسده مناعة كافية ، ستسري إليه عدوى الجذام . .
ومن هنا يذكر القرآن هؤلاء العاملين بأنه رقيب عليهم ، وعليهم أن يحذروه وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ حيث يحاسب الناس ليس على شكليات الولاية فحسب ، وإنما على روح الانتماء أيضا . أي على ما يجري في القلب من ارتباط صادق .
الجهاد وجه التوحيد البارز
[ 29 ] إن مقارعة الطغاة - وهي الوجه الحاد للتوحيد وإخلاص العبادة لله - بحاجة إلى ضمير ديني حي . وهذا الضمير الديني يصنعه الإحساس الدائم برقابة الله على الإنسان ، وهيمنته المطلقة على أعماله . من هنا ذكرنا القرآن : قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ إن العمل لا يكون صالحا أو فاسدا ، إلا حسب موقعه الذي يجعل فيه ، والهدف الذي يتوخاه صاحبه . فالصلاة قد تكون رياء وقد تكون لله ، والصلاة هي هي ، لا تتغير في ظاهرها أما واقعها فيختلف اختلافا بيناً .
من هنا تكون تعاليم السماء لتزكية النفس ، وتطهير الروح من النية الفاسدة ، والهدف الطالح . إن الله يعلم خبايا النفس البشرية ، ويحاسب الناس على الأهداف الحقيقية التي يريدون تحقيقها بأعمالهم .
وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ومن هنا فإن انحرافات البشر النفسية ، وما وراءها من انحرافات مادية جميعا ، يحيط بها علم الله وقدرته ، إحاطة تامة . ثم إن الله بعلمه يحصي الأخطاء ، وبقدرته يجازي عليها : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إن قوة الجبابرة لن تكون أكبر من قوة الله ، فلماذا يرهبهم الإنسان ؟ !
[ 30 ] ويتجلى علم الله وقدرته في يوم البعث : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
من هدى القرآن — صفحة 396
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٦