أن هذا الخبل نتيجة طبيعية لاختيارهم السيئ منذ البداية ، حيث إنهم اختاروا الربا ، وخلطوا بينه وبين البيع ، فخالطهم الخبل وأصبحوا معتوهين طبيعيًّا ، لخلطهم الباطل بين البيع والربا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وزعموا أنه كما يجوز التعامل بالبيع والاكتساب به ، كذلك يجوز الاكتساب بالربا ، فالبيع عندهم هو الربا بالضبط ، ولكن بصورة أخرى : أنت في البيع تعطي سلعة وتأخذ ثمنا ، وهنا تعطي قرضا وتأخذ إيجاره . كلا . .
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا بالطبع ليس عبثا إنما الهدف محدد وهو : منافع البيع وأضرار الربا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ له ما سلف من رأس أمواله ، وهو مرجو لأمر الله إن يشأ يعذبه أو يَتُبْ عليه وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
[ 276 ] والربا يسبب تكوين طبقة من المترهلين والعاطلين عن العمل المنتج ، فيؤخر اقتصاد المجتمع ، وهو في الوقت ذاته يمتص جهود الفقراء ، ولا يشجعهم على العمل الجاد ، في حين أن الإنفاق في سبيل الله ، وإعطاء الفقراء صدقات لرفع عوزهم ، وتهيئة رأس مال لهم ، سوف يسبب في تدوير الثروة ، وتحريك عجلة الاقتصاد وتشجيع العاطلين على العمل من هنا تقع الصدقات ، في مواجهة الربا تماما .
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ والصدقات دليل على إيمان المنفقين وشكرهم لنعمه الثروة ، في حين أن الربا دليل كفر المرابين الحقيقي بالله ، بالرغم من تظاهرهم بالإيمان ، كما أنه عمل إجرامي وأثيم وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ، وربما جاءت كلمة الكفَّار بصيغة المبالغة للدلالة على أن المرابي يكفر مرتين ، مرة حين لا يدفع للفقراء الصدقة ، ومرة حين يمتص جهود الفقراء بالربا .
ما هو العلاج ؟
[ 277 ] كيف نتخلص من الربا ؟ إن القلب البشري يهوى الثروة ، ومن الصعب التخلص من هذا الهوى ؟
يقول القرآن الحكيم : إن طريقة الخلاص من شهوة الثروة هي الإيمان بالله ، والعمل الصالح ، والصلاة ، والزكاة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .
[ 278 ] أن تنمية التقوى في النفس هي مسؤولية المسلم نفسه ، فعليه ألَّا ينتظر شخصا
من هدى القرآن — صفحة 354
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٤