سورة البقرة عن التقوى في الدين ، مما يحتاج إليه المجتمع ، وأمر ألَّا يعتمد أحد الطرفين على حسن سلوك الطرف الآخر ، بل يضبط عمله ، فيكتب دينه إلى أجله ويستشهد عليه . والكتابة تكون بيد أمين ، يملي عليه صاحب الدين فيكتب . وإن لم يكن هناك كاتب ، فلابد أن يقبض صاحب الحق رهينة .
إن حكم الدين مَثَلٌ بسيط وواضح للعلاقة التكاملية بين التقوى بوصفها رادعاً نفسيًّا للمسلم عن الظلم ، وبين الأنظمة الاجتماعية التي تمنع الظلم . فلا يمكن أن يكتفي المجتمع بواحد دون الآخر . إذ قد يكون الظلم ناشئا من عامل السهو والغلط والنسيان ، وقد تكون التقوى ليست قوية إلى درجة منع الظلم ، ولكنها إذا قرنت بالأنظمة الاجتماعية تصبحان معا عامل ردع ضد الظالم .
لهذا نجد : أن الله يأمر بالتقوى لتكميل ثغرات الأنظمة ، فالكاتب والشهيد وصاحب الحق ومن يقترض منه ، يجب أن يتزود كل أولئك بالتقوى ، حتى يمكنهم التعامل من دون ظلم . . الكاتب يكتب بالعدل ، والشهيد يقوم بالشهادة لله ، وصاحب الحق لا يسأم من كتابة دينه صغيرا أو كبيرا ، ومن عليه الحق ( المقترض ) لا يضار بالكاتب والشهيد ، كل هذه ثغرات قانونية لا تسد إلا بالتقوى . وتأتي آية الدين لتكمل حديث القرآن هنا عن التقوى وربطها بالأنظمة الاجتماعية .
بينات من الآيات :
كتابة الدين
[ 282 ] من هنا يقرر القرآن أن من المفروض أن يكون الدين إلى أجل مسمى ، وأن يكتب حتى تسهل المطالبة به ، وبالتالي لا يحجم أحد عن إقراض أخيه بحجة الخوف من المماطلة فيه أو إنكاره .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وهنا تلقى المسؤولية على المثقفين ، فعليهم أن يراعوا العدل في الكتابة فلا يزيدوا أو ينقصوا ، وأن يتحملوا مسؤوليتهم في الكتابة فلا يحجموا عنها بسبب أو بآخر وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ وليتذكر الكاتب أن الله هو الذي زوَّده بنعمة العلم ، فعليه أن يؤدي شكر هذه النعمة باستثمارها في خدمة المجتمع ، فلا يمتنع عن الكتابة وليكتب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي فليكتب الكاتب حسب ما يمليه عليه المقترض
من هدى القرآن — صفحة 357
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٧