الشهرة والسمعة ، والنتائج العاجلة ، فسعيه يكون للدنيا وحدها . . دون أن تدخل فيه حسابات الآخرة . . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً الصفوان : الحجر الأملس المستوي ، والوابل : المطر شديد الوقع ، والصلد : الصخرة الملساء التي لا تنبت شيئا ، لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا لأنهم أبطلوا استثمارهم ، ولم يبق لديهم شيء في بورصة الآخرة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بل تتحول قلوبهم كتلك الصخرة الصماء ، لا تزرع فيها الهداية ، لأنها - أساسا - لا تطلب الهداية ، بل تعشق السلطة والسيطرة والتكبر على الناس .
[ 265 ] وهناك مثل آخر ، يعاكس هذا المثل تماما ، إنه مثل المؤمنين المخلصين لله في إنفاقهم : إنهم سوف يحصلون على ثلاث فوائد :
الأولى : اكتساب مرضاة الله .
الثانية : تزكية أنفسهم وتربيتها على التقوى والعطاء .
الثالثة : جني ثمار العطاء في شكل ثواب عظيم في الدنيا وفي الآخرة .
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ لأن الإيمان ، كأية موهبة أخرى ، تزداد كلما استفاد الإنسان منها ، كالإرادة تقوى كلما تحدت الصعاب ، والمعرفة تزداد كلما انتفع بها صاحبها في العمل ، والحب ينمو كلما اهتم به صاحبه ، وهكذا الإيمان يثبته العمل الصالح وينميه كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ فهي جنة أساسا . . لا مجرد صخور ، كذلك قلب المؤمن ، أرض قابلة للزراعة ، أَصَابَهَا وَابِلٌ عن طريق العمل الصالح المركز . . كالإنفاق في الظروف الحرجة ، حيث إنه سوف يضاعف من قوة الإيمان ، وثباته في النفس فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ إذ أن طبيعة الجنة ، أنها تستدر الرطوبة وتكثفها في الفضاء ، فلابد أن يصيبها طل ( مطر خفيف ) ، أو رطوبة مفيدة ، كذلك القلب المؤمن حتى ولو لم يواجه بنجاح تحديات خطيرة ( كالإنفاق في المجاعة ) فإنه سوف يمارس الأعمال الصالحة اليومية ، مما يحافظ على إيمانه وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا تفكروا في الناس ولا تراؤوهم ، كفى بالله رقيبا على أعمالكم ، وكفى به مثيبا .
[ 266 ] ويضرب الله : مثلا رائعا لما يصيب الإنسان من خيبة أمل بسبب إحباط أعماله ، يوم يحتاج إلى الجزاء ، فيكتشف أن لذة الشهرة أو السيطرة التي أرادها من عمله فأتبعه بالمن والأذى ، قد ذهبت بخيراته ، وأصبحت هباء منثورا ، يقول ربنا : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ
من هدى القرآن — صفحة 348
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٨