يضاعف العطاء بسببها .
إذن الإنفاق في سبيل الله نوع من الاستثمار في الحياة الدنيا والآخرة ، ولكن هذا الاستثمار مهدد بالخسارة ، لو لم يحافظ عليه صاحبه ، ويقاوم شهوة الشهرة والسلطة ، وألَّا يتبع إنفاقه بالمن والأذى . الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى فلا يشبع شهوة الشهرة ، أو السلطة ، في نفسه عن طريق الإنفاق ، فيتعالى على الفقير أو يتجبر عليه بغير حق ، ويكوِّن لنفسه طبقة ضد طبقة الفقراء ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .
[ 263 ] ثم يؤكد القرآن هذا الشرط الصعب في الإنفاق ، الذي يحتاج تحقيقه إلى ترويض شديد للنفس الأمارة بالسوء ، وردع دائم للشهوات الشيطانية فيها . يؤكده ويقول : * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى فلو لم يدفع الغني ماله للفقراء ، ولكنه يجالسهم ويحسب نفسه واحدا منهم ويعتبرهم إخوانه ، ولم يتسلط عليهم ، بل إذا صدرت منهم خطيئة صبر عليها ، وغفرها لهم . هذا أفضل عند الله من أن يدفع ماله بدافع السيطرة عليهم ، وتذليل كرامتهم ، وتكوين حالة طبقية في الأمة .
هكذا يرفض الإسلام أي نوع من الإنفاق المشروط من قبل الأغنياء يكرس كبرياءهم المزيفة ، وتسلطهم اللا مشروع . وَاللَّهُ غَنِيٌّ فلا يحتاج إلى إنفاق المرائين ولا غيرهم وإنما المحتاج هو الإنسان نفسه . وهو سبحانه حَلِيمٌ لا يبادر الناس بالعذاب بل يترك المجال مفتوحا لهم ليتوبوا حينما يغلبهم الشيطان .
[ 264 ] ويتابع القرآن الحديث عن الفكرة ذاتها بكلمة توجيهية للمؤمنين يحذر فيها من أن صدقاتهم سوف تتبخر ، بل وتحترق ، بمجرد استخدامها في سبيل السيطرة على الفقراء والمحرومين ، ولا تعود الصدقات سببا لنمو المال ، ولا لرحمة الله في الآخرة .
ويضرب لنا مثلا موضحا ويقول : أرأيت كيف يبطل الإنسان عمل الخير ؟ إنه أشبه شيء بأرض جبلية صماء ، جمع الفلاح حفنة من التراب عليها ليزرع فيها ، ولكن سيول المطر ذهبت بتلك الحفنة من التراب ، فعادت الأرض إلى طبيعتها الأولى ، لا تصلح للزرع ، هكذا . . الذي ينفق ماله ، ثم يستخدم إنفاقه للسيطرة كالصحراء لا تصلح لنبات الخير يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ حتى يراه الناس فيرضون عنه ، ويقدرون جهوده ، وبالتالي يتعالى عليهم . وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ حتى يكون عطاؤه في سبيله فهو لا يعمل لوجهه وَالْيَوْمِ الآخِرِ وما دام إيمانه باليوم الآخر ضعيفا فهو يبحث عن
من هدى القرآن — صفحة 347
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٧