وهنا يعالج القرآن : موضوع الإيمان بأن الله هو الذي يقضي في الحياة بحكمه ، فبيده الأمور مباشرة ، وأنه ليس بعيدا ، كما تتصور اليهود ، عن مباشرة سلطاته الإلهية سبحانه . .
إن لهذه الحقيقة تجسدات واقعية في الموت والحياة ، وفي الغنى والفقر ، وفي الملك يؤتيه من يشاء ، وفي الانتصار يهبه لمن يشاء ، وفي الرسالة ينزلها على من يشاء . .
وإن لهذه الحقيقة توجيهات تربوية تتجسد في : القتال في سبيل الله من دون خشية الموت ( لان الحياة بيد الله ) ، والإنفاق دون خشية من الفقر ، والطاعة للحاكم بإذن الله والالتزام بتوجيهاته ، والإيمان بكل رسل الله ، والإنفاق في سبيل الله . .
وقد ذكرنا القرآن بتلك التجسدات الواقعية ، وهذه التوجيهات ، من خلال قصص تاريخية ذات عبرة وآثار . وضمنها التوجيهات التربوية . .
ولكن يبقى سؤال : ألم يكن من الأفضل : أن يتحدث القرآن بشكل تجريدي محض ، عن الحقائق الواقعية ، كما يفعلها مثلا الفلاسفة ، وكتّاب علم الكلام الإسلامي ؟
الجواب : كلا . . لأن القرآن كتاب حياة وكتاب تزكية ، ولأنه كتاب حياة فهو لا ينقلنا من الحياة إلى غياهب التجريدات الذهنية التي لا تمثل إلا نفسها ، ولا تعكس إلا خيالات أشبه ما تكون إلى الأشكال الهندسية والحسابات الرياضية لا تعني شيئا حقيقيًّا ، بل يتحدث إلينا عن ظواهر الحياة ظاهرة ظاهرة . منها ما انتهت وتتكرر ، كالظاهرة التاريخية ، ومنها ما هي متلاحقة كالظاهرة الطبيعية ، ومنها ما نصنعها كالحرب والسلام . . كل ذلك لتلتصق أفكارنا بالواقع الخارجي أكثر فأكثر ، ثم يعطينا : رؤية نابعة من حقيقة عامة ، تجاه هذه الظاهرة ، رؤية تاريخية ، رؤية طبيعية ، رؤية في أفعال الإنسان . فالقرآن بذلك لا يفصلنا عن الواقع ، بل يعطينا منظارا نافذ البصيرة ننظر من خلاله إلى الحياة ، ذلك المنظار هي الرؤية وهي الحقيقة العامة ( مثلا حقيقة هيمنة الله على الحياة ) ، وهي السنن الإلهية .
ومن جهة أخرى : لا يريد القرآن أن يشبع قلوبنا بحب الله ، أو أفكارنا بالاعتقاد بالله من دون أن يكون لذلك الحب ، وهذا الإيمان : انعكاس عملي في حياتنا ، لذلك فكلما تحدث عن ظاهرة تاريخية ، وأعطانا فيها رؤية حقيقية ، أضاف إليهما عبرة تربوية وأمر بعمل نقوم به . .
وهذه المزاوجة بين الحقائق العلمية والتوجيهات التربوية من أسرار التأثير النافذ للخطاب القرآني على النفس الإنسانية .
وسوف تجدون هذا المنهج في الآيات التالية .
من هدى القرآن — صفحة 327
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٧