حسب ما تقتضيه الحقائق الواقعيّة في الخارج وفائدته الحديث عما هو موجود ، دون الأمور الفرضية .
إن التفكير السليم يجمع بين الاثنين ؛ فبدءاً يقسِّم تقسيمات رياضية ، ثم يحاول أن يجد لهذه التقسيمات الرياضية أنواعًا وأفرادًا في الواقع الخارجي ، فإن لم يجد نوعًا منها في الواقع الخارجي قرَّر أن هذا النوع ليس موجودًا ، وإن كان ممكن الوجود عقلًا ولكنه غير موجود في الواقع الخارجي .
وكمثال في القرآن الكريم ، لنحاول أن نحدد أخطاءنا بلغة الرياضيات ؛ فقد تنشأ هذه الأخطاء من الإنسان نفسه ، وقد تكون ناشئة من أعدائه ، وهذه الأخطاء قد تكون قاتلة وقد تكون غير قاتلة ، وهي قد تكون منظمة أو غير منظمة ، ومن الممكن أن تكون مفاجئة أو معلومة ، إذن لنحاول أن نرسم لها جدولًا في أذهاننا ، ثم نبدأ بعد ذلك بقراءة القرآن ، وننظر إلى الفراغات الموجودة في ذلك الجدول فنحاول أن نملأها .
إن فائدة هذا النوع من المحاسبة أنه لا يدع واقعة من الواقعات تشرد من فكر الإنسان ، كما ويتيح التمييز بين الأنواع المختلفة ، فإنّ من ضمن الأساليب العلمية للسيطرة على الشيء تجزئته ، فإذا أردتَ أن تسيطر على فكرة معقدة فما عليك إلّا أن تحلِّلها ، وتجزِّئها إلى أقسام صغيرة لتسلِّط الضوء على كل قسم منها .
ومن جهة أخرى إن تنظيم التفسير الموضوعي يصطبغ بالصبغة العلمية المحايدة ، بينما في السياقي يرعى العملية التربوية والإصلاحية ( معالجة المشكلة ) .
الأمر الرابع : ما هو السياق ؟ ، وما هو سبيل التعرف عليه ؟ .
هو موضوع السورة المحوري الذي تدور حوله أفكارها . فهو الخيط الفكري الناظم للأفكار الفرعية ، وهو القضية ( والإشكالية ) الرئيسية التي تعالجها الآيات .
ويمكن إختزال سبيل التعرف على موضوع السورة في خطوتين ؛ الأولى تحديد الأفكار الفرعية ، الثانية ؛ الاستعانة ببعض العوامل المساعدة في فهم منحى تلك الأفكار .
أولًا : تحديد الأفكار :
تحديد الأفكار الرئيسة عبر التصنيف والاستقراء ، هو خطوة البداية بل الأساس ؛ حيث يتيح وضوح هيكلية السورة للتأمل فيها . والتصنيف هو تقسيم السورة إلى مجموعات بحسب السياقات الصغيرة ( الموضوعات ) وفي داخل كل صنف يمكن إجراء تقسيم ( التصنيف
من هدى القرآن — صفحة 127
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٧