1 - التوجيه العقلي :
والتوجيه العقلي يقوم على أساس أحد لحاظين :
أ - بلحاظ أن يكون المعصوم عليه السلام واحداً من المكلّفين :
فإذا فرضنا المعصوم واحداً من المكلّفين ، وبما أنّ الواجب على جميع المكلّفين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالواجب على المعصوم عليه السلام إذا كان ذلك الفعل أو القول منكراً ولا يجوز شرعاً ، أن يردع فاعله عنه ، وإذا كان الفاعل جاهلًا بالحكم أن يرشده إليه من باب إرشاد الجاهل وتبليغ الأحكام ، فعدم نهيه وسكوته عنه مع فرض عصمته يكشف عن كون الصادر من المكلّف لا يكون ممنوعاً عنه .
ب - بلحاظ كون المعصوم عليه السلام شارعاً :
إنّ التصرّف الصادر من المكلّف بمحضر المعصوم عليه السلام إذا كان مفوِّتاً لغرض الشارع ، فاللازم الوقوف أمامه وردع المكلّف عنه ولما صحّ السكوت عنه ؛ لأنّه نقضٌ للغرض ، وهو لا يصدر من عاقل .
2 - التوجيه الاستظهاري :
وهو يقوم على أساس دعوى ظهور حال المعصوم عليه السلام - بوصف كونه المسؤول عن تبليغ الشريعة وتقويم الزيغ - عند سكوته عن سلوك يواجهه ، ارتضاء ذلك السلوك والتصرّف .
وهذا ظهور حالي ، وتكون الدلالة حينئذٍ استظهارية ولا تخضع لجملة من الشروط التي يتوقّف عليها التوجيه العقلي .
ثانياً - ما هي شروط كاشفيّة التقرير ؟
تقدّم أنّ كاشفيّة التقرير عن رضا المعصوم عليه السلام إنّما تكون على المبنى العقلي إذا توفّرت فيه الشروط اللازمة ، وهذه الشروط هي :
1 - أن تتوفّر شروط الأمر والنهي :
بناءً على اللحاظ الأوّل من اللحاظين العقليّين حيث صحّحنا فيه الكاشفيّة عن طريق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فاللازم هو توفّر شروطهما « 1 » حتّى يجبا ، ومن شروطهما القدرة على الأمر والنهي ، فلو فرضنا عدم قدرة المعصوم عليه السلام على ذلك لتقيّة ونحوها ، فلا يكون سكوته كاشفاً عن الرضا بالفعل أو القول وجوازه .
2 - أن يكون السكوت لولا جواز الفعل ناقضاً للغرض :
وبناءً على اللّحاظ الثاني يجب أن يكون التصرّف - الفعل أو القول - المسكوت عنه ممّا يكون السكوت عنه موجباً لنقض الغرض ، وذلك مثل السكوت عن التعامل مع خبر الواحد الثقة معاملة الحجّة ، فلو شاهد المعصوم عليه السلام هذا السلوك سارياً بين العقلاء وكان مخلّاً بالشريعة ، فعليه أن يردع عنه ولا يسكت ؛ لأنّ سكوته نقض للغرض ، بعد فرضه المسؤول العام عن محافظة الشريعة وتبليغها .
وبناءً على ذلك ، فلو سكت عن هذا النوع من التصرّف ، كشفنا عن كونه راضياً به ، وأ نّه جائزٌ تكليفاً وصحيح وضعاً « 2 » .
ثالثاً - ما هو الذي يدلّ عليه التقرير ؟
القدر المتيقّن ممّا يدلّ عليه التقرير هو الجواز - بمعناه العام - تكليفاً ، والصحّة وضعاً ، فإذا صدرت معاملة من مكلّفين بمحضرٍ من المعصوم عليه السلام ولم يردع عنها ، بل سكت وكان قادراً من ردعها ، فذلك يكشف عن جواز المعاملة تكليفاً وصحّتها وضعاً ، وكذا لو صدرت عبادة ، كتلاوة القرآن حال السجود في الصلاة مثلًا ، وسكت عنها المعصوم عليه السلام ، فذلك يكشف عن جوازه وصحّة الصلاة مع ذلك .
أمّا الإلزام ، فلا يدلّ عليه ، فهو مثل السنّة الفعليّة من هذه الجهة ، فأكثر ماتدلّ عليه هو الجواز ، لا الإلزام .
نعم ، لو كانت سيرة عمليّة جارية بين الناس تشتمل على الإلزام ولم يردع عنها المعصوم عليه السلام ، فتقريره وسكوته يكشف عن رضائه بهذا الالتزام بالإلزام .
هامش
( 1 ) ذكرنا شروط الأمر والنهي في عنوان : « الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر » في المجلّد الخامس من الموسوعة .
( 2 ) أُنظر دروس في علم الأُصول ( الحلقة الثانية ) : 136 .