الخاصّ بجواز التقيّة فيها ، فلذلك لا يشترط فيها عدم المندوحة ؛ لإطلاق النصوص ، ولأنّ الشارع جعل ذلك الفعل بدلًا عن المأمور به ، فهو مجزٍ عنه .
وأمّا الثاني ، فقد مثّل له بفعل الصلاة إلى غير القبلة ، والوضوء بالنبيذ ، أو الوضوء مع الإخلال بالموالاة .
ثمّ قال بعد ذلك :
« إنّ المكلّف يجب عليه - إذا اقتضت الضرورة - موافقة أهل الخلاف فيه . . . .
ومع التعذّر ، فإن كان له مندوحة عن ذلك الفعل لم يجب الإتيان به ، وإلّا أتى به مجزياً . . . » « 1 » .
واستدلّ على ذلك : بأنّ الشارع كلّف بالعبادة على وجهٍ مخصوصٍ ورتّب الأثر من وقوعها على وجهٍ مخصوصٍ ، فلا يثبت الإجزاء والصحّة - بمعنى ترتّب الأثر - من دونهما .
والإذن في التقيّة من حيث الإطلاق لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة ، أمّا كون المأتيّ به هو المكلّف به ، فلا يدلّ عليه الإذن بالتقيّة من جهة الإطلاق .
ولكن نوقش بعدم الفرق بين الموردين ؛ لأنّ الإذن بالدخول في الصلاة تقيّة يوجب إجزاءها ، سواء كان على نحو العموم أو الخصوص « 2 » .
فصيل الشيخ الأنصاري :
فصّل الشيخ الأنصاري بين وجود المندوحة حين العمل ، ووجودها بعده وفي سائر أجزاء الوقت ، فقال باشتراط عدم المندوحة في الأوّل دون الثاني .
توضيح ذلك : أنّ المكلّف لو تمكّن حين العمل من التخلّص عن التقيّة ، فيجب عليه ذلك ، ولا تجوز له التقيّة ، كما إذا تمكّن من تقارب كفّيه بحيث يوهم للناظر أنّه متكتّف ، في حين أنّه لم يكن كذلك ، أو تمكّن حين الصلاة أن يقف في موضع فيه مايصحّ السجود عليه كالحجر مثلًا ونحو ذلك ، فهنا لا تجوز له التقيّة بأن يتكتّف ويسجد على ما لا يصحّ السجود عليه ، بل عليه أن يعمل بما يوافق الواقع . فيُري نفسه أنّه متكتّف ويُري أنّه موافق معهم بعدم السجود على التربة الحسينيّة ، وهو في الواقع غير متكتّف ولا هو ساجد على ما لا يصحّ السجود عليه .
هذا بالنسبة إلى حال العمل ، أمّا بالنسبة إلى غيره فلا يشترط فيه عدم المندوحة ، فإذا أُقيمت الصلاة وهو بينهم فعليه أن يصلّي بصلاتهم ، وإن كان بعد ذلك قادراً على إتيان الصلاة المأمور بها واقعاً .
والسرّ في ذلك أنّ أوامر التقيّة لا يمكن حملها على مَن لا يقدر على التخلّص منها والإتيان بالواقع في جميع الوقت ، بمعنى أن نوجب التقيّة
هامش
( 1 ) رسائل المحقّق الكركي 2 : 51 - 53 .
( 2 ) أُنظر : الجواهر 2 : 238 ، ورسائل فقهيّة ( للشيخالأنصاري ) : 84 .