وأمّا التقيّة فهي - كما تقدّم - : عدم إظهار مخالفة من يحذره دفعاً لضرره ، أو إظهار موافقته إذا توقّف دفع الضرر عليه .
والنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجهٍ :
- فمحلّ اجتماعهما هو ما إذا كانت التقيّة نتيجةً للإكراه ، كما في قضيّة عمّار - على ما يجيء تفصيلها - فقد جاء في رواية بكر بن محمّد ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام ، قال : « إنّ التقيّة تُرس المؤمن ، ولا إيمان لمن لا تقيّة له ، فقلت له : جعلت فداك ، قول اللَّه تبارك وتعالى : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ » « 1 » ؟ قال : وهل التقيّة إلّاهذا ؟ ! » « 2 » .
- ومحلّ افتراق الإكراه عن التقيّة ، فمثل إكراه الوالدين الولد على فعلٍ ما ، كالزواج بامرأة معيّنة ، أو بسكن دارٍ معيّنةٍ ، أو اختيار شغلٍ معيّنٍ ، ونحو ذلك .
- ومحلّ افتراق التقيّة عن الإكراه ، كما لو دخل الإنسان بلدة تعتنق مذهباً آخر ، وكان الناس فيها يتعصّبون لمذهبهم ، ولا يتحمّلون الرأي المخالف ، فهنا يتّقي الانسان ضرر هؤلاء ولا يظهر مخالفتهم ، بل قد يظهر موافقتهم دفعاً للضرر المتوقّع منهم ، وإن لم يكرهه أحد على ذلك بحسب الظاهر .
والذي ذكرناه في تفسير العناوين المتقدّمة وفرقها مع التقيّة هو المستفاد من كلام أهل اللغة - وإن كان بينهم بعض الاختلاف - واستعمالاتها في الكتاب والسنّة وغيرهما .
فإنّ القرآن الكريم ردّ النفاق بأشدّ ردٍّ وتعنيفٍ ، وردّ المداهنة أيضاً - كما تقدّم - ، لكنّه وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسن اللين والمداراة ، ورخّص في التقيّة في صورتي الإكراه وعدمه ، وكفى بذلك فرقاً بينها .
الأحكام :
تمهيد :
قبل التكلّم عن مشروعيّة التقيّة وأحكامها ، نرى من الضروري أن نشير إلى أمر مهمّ ، كمقدّمة للبحث ، فنقول :
إنّ استعمال الوسيلة للتخلّص من الخطر أمر غريزي موجود في الموجودات الحيّة إجمالًا .
فالإنسان - مثلًا - إذا واجه خطراً ، فهو يستخدم الوسائل المختلفة للدفاع عن نفسه ، وهي تختلف باختلاف نوع الخطر وقدرته على دفعه ، فإن كان قادراً على التخلّص منه بدفع الرشوة ، فيدفعها لذلك ، وإن لم يمكن ذلك لسببٍ ما ، فهو يدافع عن نفسه وماله وعرضه بالمقاومة . وإن لم يكن قادراً على ذلك ، فبطرقٍ أُخرى .
وأمّا إذا كان الخطر لا يندفع إلّابمطاوعة مَن
هامش
( 1 ) النحل : 106 .
( 2 ) الوسائل 16 : 227 ، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث 6 .