اصطلاحات متقاربة مع التقيّة :
هناك اصطلاحات ربَّما يقع التباس بينها وبين التقيّة ، لا بأس بتوضيحها لرفع هذا اللبس ، وهي :
1 - المداراة :
قال ابن الأثير بعد أن روى حديث : « رأس العقل بعد الإيمان باللَّه مداراة الناس » : « المداراة غير مهموز : ملاينة الناس وحسن صحبتهم واحتمالهم ؛ لئلّا ينفروا عنك ، وقد يهمز » « 1 » .
وقال الجوهري : « مداراة الناس تهمز ولا تهمز ، وهي : المداجاة والملاينة » « 2 » .
وقال أيضاً : « دارأته وداريته : إذا اتّقيته ولايَنْتَه » « 3 » .
وقال ابن منظور : « المداراة في حُسن الخلق والمعاشرة مع الناس ، يكون مهموزاً وغير مهموز ، فمن همزه كان معناه الاتّقاء لشرّه ، ومن لم يهمزه جعله من دريت الظبي ، أي احتلت له وختلته حتى أصيده » « 4 » .
والمهموز يكون من « درأ » أي دفع ، تقول :
درأت شَرّه وخطره ، أي دفعته ، فالمدارأة : المدافعة والاتّقاء من شرّ من دارأته .
والمداراة بمعنى ملاينة الناس وحسن صحبتهم أمرٌ مرغوب فيه ومطلوب شرعاً ، وسيأتي ذكر بعض الروايات الواردة بهذا الشأن .
وإنّما الكلام في صدق التقيّة على ذلك ، فصريح كلام الجوهري وظاهر كلام ابن منظور إطلاق التقيّة عليه .
وهذا هو الظاهر من بعض الفقهاء ، حيث رتّبوا آثار التقيّة عليه ، وأسموه ب « التقيّة المداراتيّة » ، وسيأتي الكلام عنها ، إن شاء اللَّه تعالى .
ولكن نشير هنا إجمالًا إلى أنّ التقيّة كما هو المستفاد من مجموع كلام الفقهاء ، خاصّة الذين عرّفوها ، تشتمل على عنصر الخوف وأنّ الداعي لإظهار الموافقة هو الخوف ، ولذلك فهي تستلزم نقصاً - بحسب الظاهر - في الدِّين ؛ لأجل موافقة من يخاف منه ، ومخالفة ما هو الحقّ عنده .
وهذا بخلاف المداراة بالمعنى المتقدّم ، حيث لا يستلزم ذلك على نحو العموم ، نعم قد يستلزمه أحياناً .
فمثلًا حضور تشييع جنازة المخالف مداراةٌ وليس فيه نقص في الدِّين ، وكذا عيادته وزيارته ونحو ذلك ممّا يجلب القلوب ، بخلاف وضوء المتّقي على طبق رأي المتّقى منه ، حيث يكون ناقصاً في نظر المتّقي .
2 - المداهنة :
وهي مفاعلة من الدُّهن ، ولذلك قيل في
هامش
( 1 ) النهاية ( لابن الأثير ) : « درى » .
( 2 ) الصحاح : « درى » .
( 3 ) الصحاح : « درأ » .
( 4 ) لسان العرب : « درأ » .