وأمّا قبلها فلا مفسدة في البين « 1 » .
نظرية المحقّق الإصفهاني :
قال ما هو خلاصته : إنّنا لو قلنا بأنّ استحقاق العقاب على المعصية حكم شرعي ، كما عليه ابن سينا وغيره ، فلا استحقاق للعقوبة في موارد التجرّي ، لانّ الشارع لم يجعل العقوبة إلّا على المعصية الحقيقيّة ، ولم يرد منه جعل العقاب على مجرّد التجرّي .
أمّا لو قلنا بأنّ استحقاق العقاب على المعصية إنّما هو لأجل كونها هتكا لحرمة المولى وجرأة عليه ؛ لأنّ مقتضى رسم العبوديّة إنّما هو إعظام المولى وعدم الخروج عن زيّ عبوديّته ورقيّته ، والإقدام على ما أحرز كونه مبغوضا للمولى خروج عن زيّ العبوديّة ، وهتك لحرمته وظلم في حقّه ، فيكون التجرّي قبيحا وفاعله مستحقّا للعقاب كما في المعصية ؛ لوحدة الملاك فيهما ، وهو الخروج عن زيّ العبوديّة بسبب الإقدام على ما أحرز كونه مبغوضا للمولى .
وهذا الحكم العقلي من الأحكام العقليّة الداخلة في القضايا المشهورة ، التي تطابقت عليها آراء العقلاء ؛ لعموم مصالحها وحفظ النظام وبقاء النوع بها « 1 » .
فإذا ثبت قبح التجرّي واستحقاق العقوبة عليه عقلا ، أمكن إثبات ذلك شرعا أيضا بقاعدة الملازمة .
لأنّ المحقّق الإصفهاني ممّن التزم بقاعدة الملازمة ، وعدّها من الواضحات ، حيث إنّ الشارع هو سيّد العقلاء ورئيسهم ، فإذا حكموا بحكم بما هم عقلاء كان هو في طليعتهم ، وعلى رأسهم « 2 » .
نظرية السيّد الخوئي :
تكلّم السيّد الخوئي عن المسألة في مقامين :
الأوّل - في البحث عن حرمة الفعل المتجرّى به وعدمها .
الثاني - في البحث عن أنّ التجرّي هل يوجب استحقاق العقاب من جهة كونه هتكا وجرأة على المولى ، مع بقاء الواقع على ما هو عليه ؟
أمّا بالنسبة إلى المقام الأوّل ، فتوصّل إلى عدم الحرمة :
- لا من جهة شمول إطلاقات الأدلّة التي قد يدّعى شمولها لما تعلّق القطع بانطباق الموضوع عليه فعلا أو تركا ، كتعلّق « لا تشرب الخمر » بما قطع بكونه خمرا ، سواء كان خمرا في الواقع أم لا .
هامش
( 1 ) انظر نهاية الأفكار 3 : 30 - 42 .
1 انظر نهاية الدراية 3 : 28 - 30 .
2 انظر بحوث في علم الأصول 4 : 57 .