الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت من التغسيل والتكفين والتدفين ، ونحوها إنّما هي واجبة كفاية ، وقد ادعي عدم الخلاف في ذلك مستفيضا « 1 » .
ولكن استشكل صاحب الحدائق « 2 » في كفائية وجوب هذه الأمور ؛ من جهة أنّ الخطابات المتكفّلة لبيانها إنما هي متوجهة إلى أولياء الميّت ؛ بدلالة مثل ما ورد : « يغسل الميّت أولى الناس به » « 3 » ، و « يصلّي على الجنازة أولى الناس بها ، أو يأمر من يحب » « 4 » .
وأجيب عن ذلك بعدم المنافاة بين وجوب هذه الأمور كفاية ، وبين كون ولي الميّت أولى بالقيام بها من غيره .
هذا ما قاله العديد ممّن تأخّر عن صاحب الحدائق في ردّ إشكاله ، وأحسن بيان لذلك هو ما قاله صاحب الجواهر : من أنّ من مرتكزات النوع الإنساني - سواء المتديّنين منهم بدين وغيرهم - هو أنّ الإنسان بعد موته يتولّى تجهيزه أقرب الناس إليه ، بحيث لو عارضه شخص آخر وقام به لعدّ ملاما عند العقلاء ، والشارع قد أقرّ هذا الإرتكاز العرفي ، فجعل للرحم حقّا في تقدّمه على غيره في هذه الأمور ، لأنّه أعرف غالبا بمصلحة الميّت وما يناسبه « 1 » .
ولا منافاة بين أولوية الولي بذلك ووجوبه على سائر المكلّفين كفاية ، بمعنى أنّه لو لم يقم به الولي ولم يأذن لغيره القيام به لوجب على سائر المكلّفين القيام به ، بحيث لو لم يقوموا به لعدّوا عصاة ، نعم يجب على غير الولي إذا أراد القيام بذلك أن يستأذن الولي « 2 » .
هذا وشكك بعضهم « 3 » في وجوب مراعاة هذه الأولوية ، بل استظهر صاحب الجواهر « 4 » من
هامش
( 1 ) انظر : الجواهر 4 : 30 ، والمستمسك 4 : 33 - 34 ، فقد نقل فيهما عدم الخلاف والإجماعات العديدة .
( 2 ) انظر الحدائق 3 : 359 - 360 ، و 377 .
( 3 ) الوسائل 2 : 535 ، الباب 26 من أبواب غسل الميّت ، الحديث 1 و 2 .
( 4 ) الوسائل 3 : 114 ، الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة ، الحديث 1 و 2 .
1 انظر الجواهر 4 : 38 .
2 شبّه السيّد الخوئي ذلك بانقاذ الغريق حيث يكون واجبا كفائيا ، ومع ذلك لو غرق شخص في حوض في دار مملوكة لم يجز للغير الدخول فيه لانقاذ الغريق إلّا مع إذن المالك ؛ نعم لو امتنع من الإذن ولم يقم هو بذلك جاز الدخول إلى ملكه وإنقاذ الغريق .
التنقيح ( الطهارة ) 8 : 45 .
أقول : لا يخفى ما في هذا التشبيه ؛ لعدم وجود خطابات خاصّة متوجّهة إلى المالك كما هو كذلك في تجهيز الميّت ، بل الخطاب بالإنقاذ متوجّه من أوّل الأمر إلى الجميع .
3 انظر مجمع الفائدة 1 : 175 - 176 .
4 انظر : الجواهر 4 : 36 ، حيث استظهر من الغنية والمنتهى وغيرهما الاستحباب . انظر : الغنية : 105 ، والمنتهى 7 : 148 ، وكشف اللثام 2 : 321 .