نموذجين :
الأوّل - ما جاء في نهج البلاغة : من أنّ الإمام عليّا عليه السّلام لمّا دخل على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه في البصرة - يعوده ، فلمّا رأى سعة داره ، قال :
« ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج ؟ !
وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة : تقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة » .
فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين ، أشكوا إليك أخي عاصم بن زياد ، قال : وماله ؟ قال : لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا . قال : عليّ به ، فلمّا جاء ، قال :
« يا عديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث ! أما رحمت أهلك وولدك ! أترى اللّه أحلّ لك الطيّبات ، وهو يكره أن تأخذها ! أنت أهون على اللّه من ذلك !
قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ؟ !
قال : ويحك إنّي لست كأنت ، إنّ اللّه تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ « 1 » بالفقير فقره » « 2 » .
نرى في هذا النص كيف صوّر الإمام عليه السّلام الدنيا بأنّها تارة تكون سببا لبلوغ الآخرة ، وأخرى سببا للخلود إليها ، والمذموم هو الثاني ، لا الأوّل .
ونرى كيف ذمّ التزهّد والرهبانيّة الخارجة عن إطار الشريعة .
فالإمام وظيفته الهداية إلى الطريق العدل والمستقيم ، فاليمين والشمال مضلّة ، والطريق الصحيح هو الجادة الوسطى « 1 » .
الثاني - ما ورد في الكافي عن مصدّق بن صدقة أنّه قال : « دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه عليه السّلام ، فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقيء البيض « 2 » ، فقال له : إنّ هذا اللباس ليس من لباسك ، فقال له : اسمع منّي ، وع ما أقول لك ، فإنّه خير لك عاجلا وآجلا ، إنّ أنت متّ على السنّة والحق ، ولم تمت على بدعة ! أخبرك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان في زمان مقفر جدب ، فأمّا إذا أقبلت الدنيا ، فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ومسلموها لا كفّارها ، فما أنكرت يا ثوري ! فو اللّه إنّني لمع ما ترى ، ما أتى عليّ مذ عقلت صباح ولا مساء وللّه في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعا إلّا وضعته . . . »
هامش
( 1 ) أي يهيج بالفقير فقره ، من تبيّغ الدم بصاحبه ، أي هاج به . انظر الصحاح : « بوغ » .
( 2 ) نهج البلاغة : 324 ، قسم الخطب ، رقم 209 .
1 مضمون كلام للإمام علي عليه السّلام . انظر نهج البلاغة ، ذيل الخطبة رقم 16 .
2 غرقىء البيض : القشرة الملتزقة ببياض البيض أو البياض الذي يؤكل . القاموس المحيط ، ولسان العرب :
« غرق » .