وهذه الهداية يقوم بها الأنبياء والرسل ، وأوصياؤهم .
وهؤلاء هم الرسل الظاهريّون ، وهم مؤيّدون بالرسل الباطنيين ، هي العقول التي وهبها اللّه تعالى لبني آدم .
وحصيلة هذه الهداية ومخاضها هو تزكية النفوس ، أي إصلاحها وتطهيرها من الرذائل الأخلاقية والصفات الذميمة .
وإلى ذلك كلّه أشار الذكر الحكيم في قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
« 1 » .
فجعل الهدف من بعثة الأنبياء ، هو تزكية النفوس وتعليم آيات اللّه تعالى .
وجعل في آية أخرى تزكية النفس معيارا للفلاح ، فقال :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
« 2 » ، قال ذلك بعد إقسام طويل من أوّل السورة .
قال الطبرسي في مجمع البيان : « وجاءت الرواية عن سعيد بن أبي هلال قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا قرأ هذه الآية
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
وقف ، ثمّ قال : اللهم آت نفسي تقواها ، أنت وليها ومولاها ، وزكّها وأنت خير من زكّاها » « 3 » .
وتهذيب النفس وتزكيتها لا يحصلان إلّا عن طريق اتّباع الأنبياء والأوصياء ، والأخذ بإرشاداتهم ، لا عن الطرق الشيطانيّة التي قد يلتبس على الإنسان تشخيصها ، والتي هي من أهمّ مزالّ الأقدام وأشدّها خطرا .
ولأئمة أهل البيت عليهم السّلام محاولات ومحاورات مع مدّعي تزكية النفس من المتصوّفة وغيرهم ، بينوا فيها زيف دعاويهم ، وانحراف طريقتهم .
ولا حاجة في طريقة أهل البيت عليهم السّلام لتزكية النفس إلى ترك الدنيا والانعزال عن المجتمع ، ولبس الخشن من الثياب ونحو ذلك من مظاهر التصوّف .
بل تبتني التزكية في طريقتهم على الاستفادة من مواهب الدنيا لبلوغ الآخرة ، وعدم التعلّق بزخارفها والإخلاد إليها ، ثمّ الاتصاف بصفات الكمال التي رغّبت الشريعة إليها ، كحسن الخلق ، والتواضع ، والتقوى ، والإخلاص ، والرضا ، والتسليم ، والتوكّل ، والخوف من اللّه ، ورجاء رحمته ، ونحو ذلك مما ذكره علماء الأخلاق .
ثمّ الابتعاد عن الصفات الرذيلة ، كسوء الخلق ، والغضب لغير اللّه ، والتكبّر ، واليأس من روح اللّه واتباع الشهوات ، والانغماس في المعاصي ، ونحو ذلك مما نهت عنه الشريعة .
وها نحن نذكر ممّا يدلّ على ما ذكرناه
هامش
( 1 ) الجمعة : 2 .
( 2 ) الشمس : 9 .
( 3 ) مجمع البيان 10 : 498 .