وأمّا الثاني فلهم كلام في كونه من باب الإخبار أو الشهادة كما سيأتي .
الأحكام :
من مرتكزات العقلاء رجوع الجاهل بالشيء إلى العالم به ، وقد جرت سيرتهم على ذلك في جميع المجتمعات البشريّة ، وعلى مرّ الزمن . قال السيّد الخوئي في مسألة إخبار الطبيب بضرر الصوم :
« لو أخبر الطبيب بالضرر وهو حاذق ثقة وجب اتّباعه ؛ لقيام السيرة العقلائيّة على الرجوع إلى أهل الخبرة من كلّ فن » « 1 » .
وقد أقرّت الشريعة هذه السيرة ؛ لأنّ مخاطبها العقلاء بما هم عقلاء ، فلذلك أرجعت إلى أهل الخبرة - وهم العلماء والمتخصّصون في كلّ فنّ - كثيرا من الموارد التي تحتاج إلى رفع الإبهام فيها ليترتّب عليها الحكم الشرعي .
وسنشير فيما يأتي إلى نماذج من ذلك ونحيل التفصيل إلى مواضعه المناسبة .
نماذج من الرجوع إلى أهل الخبرة :
أوّلا - الرجوع إلى علماء الشريعة :
قرّرت الشريعة رجوع الجاهلين بها إلى العالمين ، والنصوص - من الآيات والروايات - في هذا الأمر بالغة حدّ التواتر ، وليس ذلك إلّا من جهة السيرة العقلائيّة وارتكازهم برجوع الجاهل إلى العالم .
قال أستاذ المتأخّرين الوحيد البهبهاني في بيان مستند وجوب رجوع العامّي إلى العالم وتقليده له : « . . . فمستنده ليس إلّا ما حصل له بالتظافر والتسامع المتعيّن بأنّ غير الفقيه عليه أن يرجع إلى الفقيه في حكم الشرع ، كما هو الشأن في جميع العلوم والصناعات التي يتوقّف عليها نظم المعاد والمعاش :
أنّ غير أهل الخبرة فيها يرجع إلى أهل الخبرة فيها بلا شبهة ، وأنّ مدار المسلمين والأعصار والأمصار على ذلك بالبديهة » « 1 » .
وقال الشيخ الأنصاري بالنسبة إلى وجوب الرجوع إلى الأعلم من الفقهاء في التقليد بعد أن نقل دعوى الإجماع على ذلك : « مضافا . . . و « 2 » إلى ما هو المجبول في العقول من تقديم الأعلم من أهل الخبرة في جميع أمورهم . . . » « 3 » .
فكأنّ مسألة الرجوع إلى أهل الخبرة أمر مفروغ منه ، وإنّما أراد بيان لزوم الرجوع إلى الأعلم منهم .
وهذا البيان - لوجوب رجوع العامّي إلى العالم أو الأعلم استنادا إلى قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة - كثير في كلمات الفقهاء .
هامش
( 1 ) مستند العروة ( الصوم ) 1 : 468 .
1 الرسائل الفقهيّة ( للوحيد البهبهاني ) : 11 .
2 أي ومضافا .
3 القضاء والشهادات ( للشيخ الأنصاري ) : 53 .