ثالثا - الأحكام الوضعيّة :
فصّل النائيني في الأحكام الوضعيّة بين الأسباب والمسبّبات ، وحاصل ما أفاده هو :
1 - أنّ الأسباب مثل العقود والإيقاعات ، لا يجري فيها حديث الرفع ؛ لأنّ الحديث - على مبناه - لا يتكفّل بتنزيل الفاقد منزلة الواجد ، ولم يثبت أمرا لم يكن ، فإذا أكره على إجراء العقد بالفارسيّة واشترطنا فيه العربيّة ، كان العقد باطلا ؛ لأنّ حديث الرفع لو رفع اشتراط العربيّة فرضا ، فلا يثبت كون العقد الواقع خارجا - وهو العقد الفارسي - له آثار العقد العربي ليقع صحيحا ويترتّب عليه الأثر « 1 » .
2 - وأمّا المسبّبات ، فهي على قسمين :
أ - ما كانت من الأمور الاعتباريّة ، كالملكيّة والزوجيّة ، وهذه وإن كانت من الأمور القابلة للرفع شرعا ؛ لأنّها قابلة للوضع شرعا بنحو مستقلّ ، ورفعها يقتضي رفع آثارها ، كمن أكره على بيع داره وتطليق زوجته ، لكن فرض وقوع المسبّب عن إكراه ونحوه في غاية الإشكال ؛ لأنّ الإكراه إنّما يتعلّق بإيجاد الأسباب ، كنفس عقد البيع والطلاق ونحوهما ، لا بخروج الدار عن ملكه ، والزوجة عن حبالته « 2 » .
ب - ما كانت من الأمور الواقعيّة التي كشف عنها الشارع ، كالطهارة والنجاسة « 1 » ، وهذه وإن لم تكن قابلة للرفع تشريعا لعدم قابليّتها للوضع كذلك ، لكن يمكن تعلّق الرفع بها باعتبار الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها .
ولكن لا بدّ من ملاحظة هذا المسبّب هل تعلّق الأمر والنهي به مطلقا حتّى مع طروّ أحد العناوين السابقة أو لا ؟ فعلى الأوّل لا يشمله حديث الرفع ، كما في النجاسة الخبثيّة والجنابة « 2 » .
المرحلة الثانية - البحث السندي في حديث الرفع :
وردت عدّة روايات تدلّ على رفع أو وضع عدّة أمور - تسعة ، أو ستّة ، أو ثلاثة - عن هذه الأمّة ، لكن بعضها لم يذكر فقرة « ما لا يعلمون » التي هي مورد الاستدلال ، والبعض الآخر ذكر فيها هذا العنوان ، ولكن لم تتمّ سندا ، وهذه الروايات هي :
1 - رواية الخصال التي ذكرناها أوّل البحث .
2 - ما رواه الكليني عن محمّد بن أحمد النهدي ، رفعه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : وضع عن أمّتي تسع خصال : الخطأ ،
هامش
( 1 ) انظر فوائد الأصول 3 : 356 - 357 .
( 2 ) علّق عليه العراقي بقوله : « لا بأس به بناء على ما هو التحقيق : من أنّ الأمر بالمسبّب لا يرجع إلى السبب » .
فوائد الأصول 3 : 358 ، الهامش الأوّل .
أقول : ما أفاده صحيح ؛ لأنّ المكلّف قد يكره على
أصل إخراج داره من ملكه مع قطع النظر عن سبب هذا الإخراج هل هو البيع أو الهبة أو الصلح أو غير ذلك .
1 بناء على كونهما من الأمور التكوينيّة التي كشف عنها الشارع ، لا من الأمور الاعتباريّة التي وضعها هو .
2 انظر فوائد الأصول 3 : 357 - 359 .