ثانيا - الاستدلال على البراءة بالسنّة :
ذكر الأصوليّون عدّة أحاديث للاستدلال بها على البراءة نذكر أهمّها فيما يلي :
الحديث الأوّل - حديث الرفع :
وقد رواه الصدوق في التوحيد والخصال بالنحو الآتي :
محمّد بن عليّ بن الحسين الصدوق ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن سعد بن عبد اللّه ، عن يعقوب بن يزيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز بن عبد اللّه ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : رفع عن أمّتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة » « 1 » .
وتفصيل البحث عن ذلك يتحقّق في مرحلتين :
1 - البحث الدلالي .
2 - البحث السندي .
المرحلة الأولى - البحث الدلالي في حديث الرفع :
والبحث في هذه المرحلة يتوقّف على أمور :
- تعيين المرفوع في فقرة « ما لا يعلمون » .
- شمول الحديث للشبهتين الحكميّة والموضوعيّة .
- تنبيهات .
الأمر الأوّل - تعيين المرفوع في فقرة « ما لا يعلمون » :
هناك عدّة احتمالات في تعيين المرفوع في هذه الفقرة ، وهي :
1 - أن يكون المرفوع هو « المؤاخذة » « 1 » ، فيكون معنى الحديث : أنّ المؤاخذة على ارتكاب ما لا يعلم المكلّفون حكمه مرفوعة ، فلا بدّ إذن من تقدير كلمة « المؤاخذة » في الحديث « 2 » .
ولكن أورد عليه : أنّ ما يريد الأصوليّون إثباته هو رفع أصل استحقاق المؤاخذة ، وهو فيه كمال المنّة على العباد ؛ إذ ربّما ترفع المؤاخذة تفضّلا من دون أن يكون أصل استحقاقها مرفوعا « 3 » .
2 - أن يكون المرفوع هو استحقاق المؤاخذة ، فيكون معنى الحديث هو : أنّ من ارتكب حراما من دون علم فاستحقاق العقوبة مرفوع عنه « 4 » .
ولكن أورد عليه : بأنّ استحقاق العقوبة أمر عقلي ، غير قابل للوضع والرفع بدون توسيط منشأ الاستحقاق وهو إيجاب الاحتياط - مثلا - فلا يشمله حديث الرفع « 5 » .
هامش
( 1 ) التوحيد : 353 ، باب الاستطاعة ، الحديث 24 ، والخصال : 417 ، باب التسعة ، الحديث 9 ، وعنهما الوسائل 15 : 369 ، الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل .
1 المقصود من المؤاخذة هنا هو العقوبة الفعليّة .
2 انظر فرائد الأصول 2 : 28 .
3 انظر نهاية الأفكار 3 : 213 .
4 انظر المصدر المتقدّم .
5 انظر المصدر المتقدّم .