الموضوعيّة ، في حين ذهب الأخباريّون إلى عدم حجّيتها في الشبهات الحكميّة التحريميّة ، بل التزموا فيها بوجوب الاحتياط ، واستدلّ كلّ من الفريقين على مذهبه بأدلّة خاصّة ، ونحن نكتفي بذكر أدلّة المجتهدين على البراءة ، أمّا أدلّة الأخباريّين على الاحتياط فقد تقدّمت في عنوان « احتياط » .
واستدلّ الأصوليّون على البراءة بالأدلّة الأربعة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، وقد تقدّم الكلام عن دليل العقل في البراءة العقليّة ، وبقي البحث عن الثلاثة الباقية .
أوّلا - الاستدلال على البراءة بالكتاب :
استدلّ على البراءة بعدّة آيات نذكر فيما يلي أهمّها :
الآية الأولى - قوله تعالى :
ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » :
ووجه الاستدلال بها هو : أنّ بعث الرسول كناية عن البيان ؛ لأنّ بيان التكاليف غالبا ما يكون بواسطة الرسول ، وعندئذ يكون مفاد الآية هو : أنّ اللّه تعالى لم يكن يعذّب أحدا ما لم يوصل إليه التكليف ويبيّنه له « 2 » .
هذا ، وقد أوردت عدّة مناقشات على الاستدلال ، منها :
1 - ما ذكره الشيخ الأنصاري وحاصله :
أنّ الآية بصدد الإخبار عن عدم وقوع العذاب الدنيوي فيما مضى من الأمم السابقة إلّا بعد البيان ، فلا دلالة لها على نفي العذاب الأخروي عند عدم تماميّة البيان « 1 » .
وأجيب عن هذه المناقشة بوجوه ، منها :
أ - إنّ نفي العذاب الدنيوي عند عدم تماميّة البيان يدلّ على نفي العذاب الأخروي بالأولويّة القطعيّة ؛ لأنّه أعظم وأدوم « 2 » .
ب - إنّ التعبير الوارد في الآية وهو :
ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ . . .
« 3 » وأمثاله ، كقوله تعالى :
ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ
« 4 » يدلّ على أنّ الفعل المشار إليه ليس من شأنه تعالى ، من غير فرق بين قوم وقوم ، أو عذاب دون عذاب « 5 » .
2 - ما أورده الشيخ الأنصاري أيضا ، وحاصله : أنّ الآية تنفي فعليّة العذاب ، وذلك لا يستلزم نفي استحقاقه ، وبعبارة أخرى : أنّ الآية تدلّ على أنّ الأقوام السابقين ما كان اللّه ليعذّبهم قبل إتمام الحجّة عليهم ، وهذا لا يدلّ على أنّهم لم يكونوا مستحقّين للعقاب ، فمن المحتمل أنّهم كانوا
هامش
( 1 ) الإسراء : 15 .
( 2 ) انظر فرائد الأصول 2 : 22 - 23 .
1 انظر فرائد الأصول : 23 .
2 انظر : نهاية الدراية 4 : 29 ، ومصباح الأصول 2 : 256 .
3 الإسراء : 15 .
4 التوبة : 115 .
5 انظر : نهاية الأفكار 3 : 205 ، ومصباح الأصول 2 : 256 .