مستحقّين له ، ولكنّ اللّه لم يعذّبهم تفضّلا منه تعالى ، ومنّة عليهم « 1 » .
وأجيب عن ذلك :
أنّه لمّا كان التعذيب قبل البيان ليس من شأنه تعالى ، فمعناه أنّ العبد لم يكن عندئذ مستحقّا للعقاب ، وإلّا إذا كان مستحقّا له لما صدق أنّه لم يكن من شأنه « 2 » .
3 - إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو : إثبات البراءة عمّا لم يصدر من الشارع فيه بيان ، فلا تدلّ على البراءة عمّا صدر منه ولم يصل إلى المكلّف كما هو المدّعى ؛ ولذلك تكون الآية أخصّ من المدّعى « 3 » .
أقول : ويمكن الإجابة عن ذلك : بأنّ التعبير الوارد في الآية كما يصلح للدلالة على عدم استحقاق العقاب في صورة عدم البيان ، فكذلك يصلح للدلالة على عدمه في صورة البيان وعدم وصوله ، لنفس الملاك ، والتفكيك بين الصورتين بلا دليل ؛ لأنّ عدم وصول بيان الرسول مثل عدم وصول الرسول نفسه ، وكلاهما خارجان عن قدرة المكلّف واختياره .
هذا مضافا إلى أنّ تشخيص صورة عدم البيان أصلا من صورة البيان وعدم وصوله ممّا لا يمكن عادة .
الآية الثانية - قوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
« 1 » .
وتقريب الاستدلال بها يتوقّف على أمرين :
الأوّل - أن يكون المراد من الموصول « ما » هو التكليف .
الثاني - أن يكون المراد من « الإتيان » هو الوصول .
وعليه يكون معنى الآية : إنّ اللّه تعالى لا يكلّف نفسا إلّا تكليفا واصلا ، فإذا لم يصل فليس بمكلّف به « 2 » .
هذا وقد أورد عليه الشيخ الأنصاري ما حاصله :
أنّ الاحتمالات في كلمة « ما » ثلاثة :
1 - أن تكون بمعنى التكليف كما سبق .
2 - أن تكون بمعنى المال ؛ لأنّ مورد الآية هو الإنفاق على المطلّقات كما هو معلوم من صدر الآية والآيات السابقة ، وهو قوله تعالى :
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها . . .
« 3 » .
3 - أن تكون بمعنى مطلق فعل الشيء أو تركه ، بقرينة إيقاع التكليف عليه ، فاعطاؤه
هامش
( 1 ) انظر : فرائد الأصول 2 : 23 ، وكفاية الأصول : 339 .
( 2 ) انظر : نهاية الأفكار 3 : 205 ، ومصباح الأصول 2 : 256 ، وبحوث في علم الأصول 5 : 33 .
( 3 ) انظر : بحوث في علم الأصول 5 : 34 ، ومباحث الأصول ( القسم الثاني ) 3 : 100 .
1 الطلاق : 7 .
2 انظر : نهاية الأفكار 3 : 201 ، وفوائد الأصول 3 : 331 .
3 الطلاق : 7 .