الجهة الثالثة - ملاحظتها مع قاعدة « حقّ الطاعة » :
تقدّم أنّ الأصوليّين ذكروا أنّ مستند البراءة العقليّة هو قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » التي تكشف عنها السيرة الجارية بين الموالي والعبيد حيث يقبّحون معاقبة المولى عبده لمخالفته تكليفا غير واصل إليه .
لكن يرى الشهيد الصدر : أنّ هذه السيرة إنّما تكشف عن جريان القاعدة بين الموالي والعبيد العاديّين ، لا عن جريانها بين المولى والمالك الحقيقي وعبيده ، بل الحاكم في هذا الفرض هو حقّ المولويّة وحقّ الطاعة ، فعلى العبد أن يطيع المولى بكلّ ما في وسعه .
وبعبارة بسيطة : « إنّ عقلنا العملي يحكم بأنّ المولى له حقّ الطاعة في التكاليف المحتملة ما لم يرد ترخيص ظاهري من قبل المولى » « 1 » .
وبناء على ذلك ف « الأصل الأوّلي في الشبهات هو الاحتياط ، ولا نخرج عنه إلّا بمقدار ما يثبت من الترخيص الشرعي والحكم الظاهري في موارد الأمارات أو الأصول الشرعيّة » « 2 » .
الجهة الرابعة - ملاحظة القاعدة مع أدلّة الاحتياط :
لا إشكال في أنّه لو تمّت أدلّة وجوب الاحتياط في الشبهات البدويّة بعد الفحص - كما عليه الأخباريّون من أصحابنا - فتكون بيانا ؛ لأنّ المراد من البيان هو الأعمّ من التفصيلي والإجمالي ، وبذلك يرتفع موضوع القاعدة وهو عدم البيان ، وعليه تكون أدلّة الاحتياط على فرض تماميّتها واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّها ترفع موضوعها الذي هو عدم البيان « 1 » .
ولذلك قيل : إنّ الأخباريّين لم يناقشوا في القاعدة بصورة كبرويّة لتسالمها ، وإنّما ناقشوا فيها بصورة صغرويّة بدعوى : أنّ أدلّة الاحتياط بيان يرتفع بها موضوع القاعدة الذي هو عدم البيان « 2 » .
ثانيا - البراءة الشرعيّة
وهي : حكم الشارع ببراءة ذمّة الإنسان من التكليف عند الشكّ فيه حتّى يثبت بدليل .
ومنه يتّضح أنّ البراءة الشرعيّة وظيفة عمليّة اعتبرها الشارع عند الشكّ في التكليف ، ومفادها نفي التكليف المحتمل لا إثباته .
حجّية البراءة الشرعيّة والاستدلال عليها :
اختلف أصحابنا الإماميّون في حجّيتها ، فذهب جمهور المجتهدين إلى حجّيتها مطلقا في الشبهات الحكميّة الوجوبيّة والتحريميّة ، والشبهات
هامش
( 1 ) مباحث الأصول ( القسم الثاني ) 3 : 77 .
( 2 ) بحوث في علم الأصول 5 : 26 .
1 انظر : فرائد الأصول 2 : 59 ، وأجود التقريرات 2 : 185 - 186 ، ومصباح الأصول 2 : 288 .
2 انظر : فرائد الأصول 2 : 50 و 56 .