وروى الصدوق بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في تفسير « الرجس » من آية التطهير ، أنّه قال :
« الرجس هو الشكّ » « 1 » . وفي رواية أخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « الرجس هو الشكّ ، ولا نشكّ في ديننا أبدا » « 2 » .
ثمّ إنّ المنفيّ في الآية مطلق الرجس ؛ لأنّ اللام فيه للجنس ، فالآية تنفي جميع القذارات الماديّة والمعنوية عن أهل البيت عليهم السّلام .
وإذا نفي مطلق الرجس ، ثبت مقابله وهو مطلق الطهارة ، أي الطهارة بجميع مراتبها ، وهو ملازم للعصمة كما سيأتي عن قريب « 3 » .
الأمر الثالث - أنّ إرادة اللّه تعالى - بل إرادة الإنسان أيضا - تارة تكون تكوينيّة وأخرى تشريعيّة .
فالإرادة التكوينية هي التي تتعلّق بالأمور التكوينيّة ، كإرادته خلق السماوات والأرض والإنسان ، أو خلق الإنسان بصفة خاصّة مثلا .
وإذا تعلّقت الإرادة التكوينية للّه تعالى بأمر تحقّق ذلك الأمر ولم تتخلّف إرادته .
وأمّا الإرادة التشريعيّة فهي التي تتعلّق بالتشريع ، كإرادته الصلاة والصوم والحجّ ونحوها من الإنسان ، ففعل الواجبات وترك المحرّمات كلّها متعلّقات الإرادة التشريعيّة للّه تعالى .
وهذه الإرادة غير قابلة للتخلّف بمعنى ، وقابلة للتخلّف بمعنى آخر .
وتوضيح ذلك : أنّ إرادته تعالى تعلّقت بصدور الواجبات وترك المحرّمات من الإنسان باختياره ، وهذا المقدار قد حصل ولم تتخلّف إرادته تعالى فيه « 1 » .
وأمّا في مرحلة عمل الإنسان وتنفيذ اختياره وإرادته ، فالإرادة التشريعيّة قابلة للتخلّف ؛ لأنّ المكلّف - بسبب اختياره - قد يعمل بالتكليف ويحقّق ما أراده اللّه تعالى منه ، وربّما لا يعمل فلا يحقّقه .
وهنا نتساءل : ما هي الإرادة المذكورة في الآية الشريفة ، هل هي الإرادة التشريعيّة أو التكوينيّة ؟
والإرادة التشريعيّة في الآية معناها : أنّه تعالى يريد منهم أن يكونوا طاهرين غير متلبّسين بالأرجاس ، كما يريد منهم أن يصوموا ويصلّوا .
والإرادة التكوينيّة فيها ، معناها : أنّه تعالى خلقهم بحيث يكونون طاهرين غير متلبّسين بالأرجاس والأقذار المعنويّة والماديّة .
هامش
( 1 ) معاني الأخبار : 138 ، باب معنى الرجس .
( 2 ) بصائر الدرجات 4 : 206 ، الباب 11 ، الحديث 13 .
( 3 ) انظر الميزان في تفسير القرآن 16 : 312 .
1 قد يقال : هذا داخل في الإرادة التكوينيّة ؛ لأنّه يرتبط بتعلّق إرادته تعالى بكيفيّة خلق الإنسان ، وهو خلقه مختارا ، ولا ربط له بالإرادة التشريعيّة !
والجواب : أنّ الذي يرتبط بالإرادة التكوينية هو خلق الإنسان مختارا كما قيل في الإشكال ، وأمّا إرادته تعالى الصلاة من المكلّف عن اختيار منه ، فهي إرادة تشريعيّة .