وتوضيح ذلك : أنّ كلّ إنسان عاقل لا يقدم على أكل وشرب القاذورات مع قدرته تكوينا على ذلك ، ولا يقدم على حرق نفسه أو تناول السموم مع قدرته على ذلك أيضا ، فعدم الإقدام في هذه الموارد ناشئ من العلم بما يترتّب عليها من المفاسد والأضرار .
وهكذا لو حصل العلم بما يترتب على ارتكاب الذنوب من مفاسد وأضرار ، فإنّ الإنسان العالم بذلك يمتنع من ارتكابها ، وكلّما كان علمه أوسع وأدقّ كان تورّعه منها أكثر « 1 » .
ولكن ربّما تتغلّب القوى الشهويّة والغضبيّة وغيرها عند صراعها مع العلم بالمفاسد والأضرار المترتّبة على الذنوب ؛ فلذلك لا يوجب هذا العلم العادي عصمة مطلقة عند الإنسان .
إذن لا بدّ من علم تتغلّب به نفس الإنسان على القوى الشهويّة والغضبيّة عند الصراع والتعارض . وإلى هذا المعنى يشير العلّامة الطباطبائي بقوله : « . . . إنّ هذه الموهبة الإلهيّة التي نسمّيها قوّة العصمة نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في أنّه غير مغلوب لشيء من القوى الشعوريّة البتّة ، بل هي الغالبة القاهرة عليها ، المستخدمة إيّاها ؛ ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقا ، وقد ورد في الروايات « 1 » :
أنّ للنبيّ والإمام روحا تسمّى روح القدس تسدّده وتعصمه عن المعصية والخطيئة ، وهي التي يشير إليها قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 2 » . . . » « 3 » .
شبهة وردّها :
ربّما يقال : إنّ الآية إنّما تثبت عصمة أصحاب الكساء ، فلا دلالة فيها على عصمة سائر الأئمّة عليهم السّلام ، فكيف يقال بعصمتهم ؟
هامش
- الامتناع من فعل واحد قبيح : إنّه معصوم ؟
قلنا : نقول ذلك مضافا ولا نطلقه ، فنقول : إنّه معصوم من كذا ، ولا نطلق فيوهم أنّه معصوم من جميع القبائح ، ونطلق في الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام ، العصمة بلا تقييد . . . » . رسائل السيّد المرتضى 3 : 326 ، مسألة في العصمة ، والبحار 17 : 94 ، تاريخ نبيّنا صلّى اللّه عليه واله ، باب عصمته .
( 1 ) ولعلّه يقرب إلى هذا المعنى ما أشار إليه الزمخشري بقوله : « واستعار للذنوب " الرجس " وللتقوى " الطهر " ؛ لأنّ عرض المقترف للمقبّحات يتلوّث بها ويتدنّس كما يتلوّث بدنه بالأرجاس ، وأمّا المحسّنات فالعرض معها نقيّ مصون كالثوب الطاهر . وفي هذه الاستعارة ما ينفّر أولي الألباب عمّا كرهه اللّه لعباده ونهاهم عنه ، ويرغّبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به » .
تفسير الكشّاف 3 : 260 .
1 أصول الكافي 1 : 273 ، باب الروح التي يسدّد اللّه بها الأئمّة عليهم السّلام ، وانظر الباب الذي قبله في الصفحة 271 .
2 الشورى : 52 .
3 الميزان في تفسير القرآن 5 : 80 ، وانظر كتاب أهل البيت ( للأستاذ السبحاني ) : 79 - 98 .