والجواب : أنّ الأدلّة القائمة على عصمة الأئمّة عليهم السّلام غير منحصرة بالآية ، بل الأدلّة عليها كثيرة سوف نتطرّق إلى جملة منها في عنوان « عصمة » إن شاء اللّه تعالى .
هذا مع أنّه يمكن أن يقال : إنّ سائر الأئمّة تثبت عصمتهم بالتنصيص ممّن ثبتت عصمتهم بالآية .
وكذلك يشملهم عنوان « أهل البيت » بعد تطبيق من شملتهم الآية بهذا العنوان عليهم .
نذكر نموذجا واحدا من ذلك :
قال الإمام عليّ عليه السّلام في إحدى خطبه - بعد حمد اللّه والشهادة بوحدانيّته ورسالة نبيّه صلّى اللّه عليه واله - :
« . . . وخلّف فينا راية الحقّ ، من تقدّمها مرق ، ومن تخلّف عنها زهق ، ومن لزمها لحق ، دليلها مكيث الكلام ، بطيء القيام ، سريع إذا قام ، فإذا أنتم ألنتم له رقابكم ، وأشرتم إليه بأصابعكم ، جاءه الموت فذهب به ، فلبثتم بعده ما شاء اللّه ، حتّى يطلع اللّه لكم من يجمعكم ويضمّ نشركم . . . » إلى أن قال :
« ألا إنّ مثل آل محمّد صلّى اللّه عليه واله كمثل نجوم السماء ، إذا خوى نجم طلع نجم ، فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصنائع ، وأراكم ما كنتم تأملون » « 1 » .
أشار الإمام عليه السّلام في هذه الخطبة إلى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله خلّف في الأمّة راية الحقّ ، وهي :
الثقلان « 1 » : كتاب اللّه ، وعترة نبيّه صلّى اللّه عليه واله ، من تقدّمها مرق وخرج عن الحقّ ، ومن تأخّر عنها زهق واضمحلّ ، ومن لازمها أصاب الحقّ .
ثمّ أشار إلى أنّه عليه السّلام دليل هذه الراية ، وأنّهم سيجتمعون عليه بعد تفرّقهم عنه ، ثمّ يجيئه الموت ، فيلبثون بعده ما شاء اللّه حتّى يخرج اللّه لهم من يجمعهم من أهل البيت عليهم السّلام . وهو إشارة إلى الإمام المهدي عليه السّلام « 2 » .
ثمّ قال : إنّ مثل آل محمّد صلّى اللّه عليه واله كمثل نجوم السماء ، إذا خوى ، أي غاب ، نجم طلع نجم آخر .
فنرى أنّه عليه السّلام طبّق عنوان « آل محمّد » على الإمام المهدي عليه السّلام ، والمقصود من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله هنا معناه الأخصّ ؛ لأنّ صفة القيادة والإمامة لم تكن تصلح لجميع أفراد الآل بمعناه العامّ ، كما لا يناسبه التعبير بأنّ مثلهم كمثل نجوم السماء
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 145 - 146 ، الخطبة 100 .
قال ابن أبي الحديد : « اعلم أنّ هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين عليه السّلام في الجمعة الثالثة من خلافته ، وكنّى فيها عن حال نفسه ، وأعلمهم فيها : أنّهم سيفارقونه ويفقدونه بعد اجتماعهم عليه وطاعتهم له ، -
وهكذا وقع الأمر ، فإنّه نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشدّ اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل فيه عليه السّلام » .
شرح نهج البلاغة 7 : 93 ، ذيل الخطبة 99 .
1 إشارة إلى حديث الثقلين ، وسيأتي الكلام عنه قريبا إن شاء اللّه تعالى .
2 قال ابن أبي الحديد : « ثمّ أخبرهم أنّهم يلبثون بعده ما شاء اللّه ، ولم يحدّد ذلك بوقت معيّن ، ثمّ يطلع اللّه لهم من يجمعهم ويضمّهم ، يعني من أهل البيت عليهم السّلام ، وهذا إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت » .
شرح النهج 7 : 94 .