والأهليّة الواقعيّة لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، فيكون جعل الإمامة بيده .
3 - إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان أشفق على الناس من الوالد على ولده ، حتّى إنّه أرشدهم إلى أمور كثيرة مندوبة ، وكان صلّى اللّه عليه وآله إذا سافر وترك المدينة يوما أو يومين استخلف فيها من يقوم بأمر المسلمين ، ومن هذه حاله كيف ينسب إليه إهمال امّته وعدم إرشادهم في أجلّ الأشياء وأسناها وأعظمها قدرا وأكثرها فائدة وأشدّهم حاجة إليها ، أي المتولّي لأمورهم بعده ؟ ! فوجب من سيرته صلّى اللّه عليه وآله نصب إمام بعده ، والنصّ عليه ، وتعريفهم إيّاه « 1 » .
ومن المعلوم أنّ تنصيص النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا يكون إلّا من قبل اللّه تعالى ؛ لأنّه صلّى اللّه عليه وآله :
ما يَنْطِقُ عَنِ
هامش
( 1 ) انظر كشف المراد : 188 . وممّا يدلّ بكلّ صراحة على عدم إهماله أمر امّته من بعده ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد وكتب التاريخ : من أنّه صلّى اللّه عليه وآله أراد أن يكتب للمسلمين كتابا لن يضلّوا بعده أبدا ، لكنّهم رموه بما رموه ! فامتنع عن الكتابة ، وإليك نصّ ما نقله البخاري بإسناده إلى عبيد اللّه بن عبد اللّه ، عن ابن عبّاس ، قال :
« لمّا حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : هلمّ أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده ، فقال عمر : إنّ النبيّ قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللّه ، فاختلف أهل البيت [ أي الموجودون في البيت بما فيهم عمر ] فاختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم كتابا لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر . فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه - - [ وآله ] وسلّم : قوموا [ وفي نقل آخر للبخاري : قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع ] . قال عبيد اللّه : فكان ابن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم » . صحيح البخاري 4 : 7 ، كتاب المرض ، باب قول المريض :
« قوموا عنّي » ، و 1 : 32 ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم .
ونقله مسلم بعدّة طرق في آخر كتاب الوصيّة ، جاء في بعضها عن سعيد بن جبير ، قال : « قال ابن عبّاس :
يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ! ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى ، فقلت : يا بن عبّاس ، وما يوم الخميس ؟
قال : اشتدّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم وجعه فقال : ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبيّ تنازع ، وقالوا : ما شأنه ؟
أهجر ؟ استفهموه [ وفي نقل آخر : إنّ رسول اللّه يهجر ] قال : دعوني ، فالذي أنا فيه خير . . . » . صحيح مسلم 3 : 1257 ، كتاب الوصية ، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ، الحديث 1637 .
وتناقله كثير من أرباب المسانيد والسنن والسير .
وهنا تخطر بالبال عدّة أسئلة ، وهي :
أوّلا - ما الذي أراد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يأمر بكتابته ؟
الجواب - إذا قارنّا بين ذلك وبين ما قاله مرّات عديدة : « إنّي مخلّف فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي » نعرف أنّه أراد أن يجعل الخلافة في أهل بيته عليهم السّلام ؛ لأنّ التمسّك بالكتاب وبهم يمنع من الضلال . -