« لقد وقفت موقفا لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر ، ما ظنّك برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لو يراني على هذه الحال ؟ » ، فأمر يزيد بأن يفكّ الغلّ منه .
ثمّ لم ينس صعود الخطيب المنبر وإكثاره من الثناء على معاوية والوقيعة في عليّ والحسين عليهما السّلام ، فصاح - أي السجّاد عليه السّلام - به قائلا : « لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوّأ مقعدك من النار » .
وهنا يستأذن الإمام السجّاد عليه السّلام يزيد ثانية في أن يتكلّم ويمتنع من الإجابة ، ولكنّ ولده معاوية والحاضرين أصرّوا على يزيد ليجيبه ، وما زالوا كذلك حتّى أذن له .
وعندئذ صعد عليه السّلام تلك الأعواد - على حدّ تعبيره عليه السّلام ؛ لأنّها لا تحمل روح المنبر الواقعي - وقال بعد الحمد والثناء عليه :
« أيّها الناس ، أعطينا ستّا وفضّلنا بسبع ، أعطينا العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبّة في قلوب المؤمنين ، وفضّلنا : بأنّ منّا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والصدّيق ، والطيّار ، وأسد اللّه وأسد رسوله ، وسبطي هذه الامّة .
أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي .
أيّها الناس ، أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى وخير من طاف وسعى ، وحجّ ولبّى ، أنا ابن خير من حمل على البراق وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى ، فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلّى بملائكة السما ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللّه ببدر وحنين ، ولم يكفر باللّه طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ، ووارث النبيّين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين ، وقاتل الناكثين ، والقاسطين والمارقين ، ومفرّق الأحزاب ، أربطهم جأشا ، وأمضاهم عزيمة ، ذاك أبو السبطين الحسن والحسين ، عليّ بن أبي طالب .
أنا ابن فاطمة الزهراء ، وسيّدة النساء ، وابن خديجة الكبرى .
أنا ابن المرمّل بالدماء ، أنا ابن ذبيح كربلا » .
وعندئذ ضجّ الناس بالبكاء ، فخشي يزيد اضطراب الناس ، فأمر المؤذّن أن يؤذّن .
وعندما وصل المؤذّن إلى الشهادة بالرسالة ، قال له زين العابدين عليه السّلام : « أسألك بحقّ محمّد أن تسكت حتّى اكلّم هذا » .
والتفت إلى يزيد قائلا : « هذا الرسول العزيز الكريم جدّك أم جدّي ؟ فإن قلت : جدّك ، علم الحاضرون والناس كلّهم أنّك كاذب ، وإن قلت :
جدّي ، فلم قتلت أبي ظلما وعدوانا ، وانتهبت ماله ، وسبيت نساءه ، فويل لك يوم القيامة إذا كان جدّي خصمك » .
فصاح يزيد بالمؤذّن : أقم للصلاة ، فوقعت بين الناس همهمة وصلّى بعضهم وتفرّق الآخر .
كلّ ذلك صار سببا لأن يطول بكاؤه بعد أبيه ،
الموسوعة الفقهية الميسرة — صفحة 527
مساهمون: الشيخ محمد علي الأنصاري
ص٥٢٧