تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
الرجل بخنقه ، فخنقه . وبكى عليه جماعة كثيرة لحسنه وكونه شابا ، وكان شجاعا بطلا إلا أنه كان يبالغ في ظلم العباد . ثم أخرجت أمعاؤه ودفنت بتربة القلعيين وجرت جثته وإرسلت إلى والده . فاستقبلها النساء والرجال بالبكاء والصراخ والويل والثبور وصار يوم دخوله كيوم مقتل الحسين . حكى قرة قاش : إني كنت في خدمة السلطان أحمد ، وقد خرج إلى الصيد ، فعرضوا عليه طيور الصيد ثم جاؤوه بطير عظيم لا نظير له . فتعجب منه وقال : من بعث هذا ؟ قالوا : عبدك حسين باشا ابن سيفا أمير الأمراء بطرابلس . فقال السلطان آه آه آه من خيانة مماليكي الأمر للّه إلى هذا الحسين هذا الكافر بالحياة ، فأسرها قرة قاش في نفسه وصاده بطيره . وكان قتله في رابع عشر ربيع الأول سنة ست وعشرين وألف ، وعمره قريب من الثلاثين رحمه اللّه تعالى . ( 4 ) الأمير محمد بن علي السيفي الطرابلسي : أحد أمراء بني سيفا حكام طرابلس الشام وولاتها المشهورين بالكرم والأدب . كان هؤلاء القوم في هذا العصر كبني برمك في عصرهم فضلا وكرما ونبلا ، ما برحوا في طرابلس لهم العزة الزاهرة والحرمة الباهرة ، والدولة الظاهرة ، وهم مقصد كل شاعر ، ومورد كل مادح ، ومدحهم شعراء كثيرون قصدوهم . وكانوا يعطون أعظم الجوائز ، وكان الأمير محمد بينهم كالفضل في بني برمك . وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل السامي أديبا فاضلا بليغا . ولي حكومة طرابلس بعد الأمير يوسف السيفي ، وبذل العطايا وكانت إحساناته تستغرق العد . ويحكى عنه من ذلك ما يبعد وقوعه . فمن ذلك ما حكاه الأديب الشاعر محمد بن ملحة العكاري ، وكان من شعراء الأمير المختصين به ، قال : لما دهم الأمراء بني سيفا الخطب من فخر الدين بن معن وركب عليهم وحاربهم ، وكنت إذ ذاك في خدمة الأمير محمد ، فما برحت أدافع عنه بالمقاتلة حتى لقيني من عسكر ابن معن ، فضربني على رجلي بسيف فجرحها ، فبعث بي الأمير إلى منزله وأمر بمعالجة رجلي حتى برأت . وكان أمرهم انتهى إلى الصلح والمصافاة ، فخرج الأمير يوما إلى التنزه وأنا معه وكان الفصل فصل الربيع وقد أزهرت الأشجار ، فجلست إلى جانب شجرة مزهرة ، فسألني عن رجلي ، فقلت : قد برأت وأريد أن أريك قوتها ثم ضربت بها تلك الشجرة فتناثر من نوارها