منيت طرابلس كما منيت المدن الساحلية بغزوات الروم المتتابعة .
ففي سنة 357 ه 968 م حاصرها نيقيفور ملك الروم ليلة واحدة وأحرق ربضها . كما ذكر ذلك يحيى بن سعيد الأنطاكي . وقال في حوادث سنة 364 ه . ذاكرا غزوة الملك يوحنا زيميسيس الذي يدعوه العرب ابن الشمشقيق إنه نزل على طرابلس وقاتلها ولم يتم له فيها شيء .
وقال ابن القلانسي : « إنه نزل عليها وأقام محاصرا لها تقديرا أربعين يوما يقاتل أهلها ويقاتلونه ، فبينما هو في ذلك إذ دس إليه خال بسيل وقسطنطين سمّا ، فاعتل منه وتوجه إلى القسطنطينية وتوفي » .
وذكرها الشريف الإدريسي المتوفى سنة 1187 م حيث قال في وصفها : « مدينة عظيمة عليها سور من حجر منيع ولها رساتيق وكور وضياع جليلة وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير . والوارد والصادر إليها كثير ، والبحر يأخذها من ثلاثة أوجه وهي معقل من معاقل الشام مقصود إليها لضروب التجارات ينضاف إليها عدة حصون ومنها في جهة الجنوب حصن بناه ابن صنجيل الإفرنجي ومنه افتتح أطرابلس وبينهما أربعة أميال وهو حصن منيع جدا وهو بين واديين » .
إن المدن الساحلية وهي باب المدن الداخلية كانت معرضة لغزوات الروم ومن يتغلب عليها يسهل عليه امتداد يده إلى داخل البلاد ، فكان من المحتم أنّ على من يمتلك البلاد الشامية ساحلها وداخلها وسهلها وجبلها أن تحصن بالقلاع وتصان بالأسوار وتشحن بالرجال لتقيها تلك الغزوات المتتابعة وتحمي بها البلاد كافة . ولم يهمل هذا الأمر ملوك العرب والمسلمين الذين تعاقبوا على حكمها من عهد الخلفاء الراشدين فالأمويين والعباسيين وعمالهم الذين استقلوا بحكمها ولم يبقوا للخلفاء العباسيين سوى الخطبة والسكة والتقليد والخلع للمستأثر بالحكم . فكانت مدينة طرابلس وهي ثغر من أهم الثغور البحرية الشامية وهي منفذ لأهم الأعمال والكور من جند دمشق من المدن التي امتد إليها التحصين ، وقد أصبحت في حوزة بني طولون أمراء مصر وقسم كبير من الديار الشامية ، ثم انتقلت إلى خلفاء الفاطميين المصريين الذين استولوا على بلاد الشام . وكان يليها عمالهم . وأكثر من وليها في عهدهم من الأمراء رجال من كتامة الذين ابلوا
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 309
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٣٠٩