الفاكهة والأشجار ، وحسبنا بذلك شهادة المؤرخ ( ميسود ) الذي تبع قوله بقوله : « إن في المدينة أكثر من أربعة آلاف نول لنسج الأقمشة الصوفية والحريرية والقطنية ، غير أن قسما كبيرا من هذا الغنى بات طعاما لانتقام الإفرنج أو معطلا من جرى حروبهم وحصارهم الطويل . فإنهم كانوا في زمان الحصار قد أضروا بجوار البلدة ولما تملكوها ، لم يعتنوا بما فيها من المعامل الصناعية ، فانحطت انحطاطا عظيما ولم يكن ما ذكر لكل ما اشتهرت به طرابلس من الغنى في ذلك الزمن ، فإن خزائنها كانت ملئت من الكتب المفيدة التي أحالها الإفرنج رمادا ، فخسر العالم بفقدها كنزا عظيما .
« فإن بين مجلداتها كثيرا من كتب الفرس والعرب واليونان ، وكان فيها عديد من الكتبة يشتغلون على الدوام بنسخ كتب الخط . وقال ابن طي المؤرخ العربي : « إن عدد هذه الكتب كان ثلاثة ملايين من المجلدات » .
غير أن مؤرخا آخر يقول إن عددها لم يتجاوز مائة ألف مجلد وإن جامعها القاضي أبو الحسن طالب وهو نفسه قد ألف كثيرا ، وإنه كان متوليا البلدة وقد بعث برسائل إلى الأقطار مفتشا على الكتب النادرة مهما كان ثمنها عظيما . وقد ندب مؤرخو العرب فقدان تلك المكتبة . على أن المؤرخين الصليبيين القدماء لم يذكروا عنها شيئا ليستروا زلة قومهم » .
وإنك لتعلم مبلغ ما بلغه هذا البلد من الغنى والثروة ، بذل ابن عمار أبي الحسن علي ثلاثمائة ألف دينار للملك دقاق بن تتش على تسليمه له ابن مليحة صاحب جبلة عريانا ، كما سترى ذلك مبسوطا في مكانه من هذا الكتاب .
وإليك دليلا آخر على ما كان لهذا البلد من رقي وتفوق عمراني وسابغ نعمة ، ما ورد في تاريخ ابن القلانسي في حوادث سنة 502 ه لما امتلك الإفرنج طرابلس عنوة بعد حصارها الطويل :
« وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر » .
وفي كامل ابن الأثير في حوادث سنة 503 ه : وسد الفرنج القتال عليها ( طرابلس ) من الأبراج والزحف ، فهجموا على البلد وملكوه عنوة
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 298
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٢٩٨