تفي ببعض الحاجة ، والمصادر أعز من بيض الأنوق ، ولكن ما على المجتهد حرج إن أخطأ الصواب إذا كان حسن النية حافزه ونشدان الحقيقة دافعه وفوق كل ذي علم عليم .
2 - إن لم يؤد التاريخ رسالته في سرد أحوالهم وترجمة رجالهم ومبدأ أمورهم إلى زمن ظهورهم ومشاركتهم ذوي السلطان في النفوذ والسلطان ، ولم يعن على الأقل بأصول أنسابهم كما لم يعن بأحسابهم فإنه لم يسكت عما يستفز الباحث إلى استطلاع طلع شؤونهم بذكره في عرض حوادثه الكبرى طرفا من بلائهم ، سواء أكان في تأسيس الخلافة الفاطمية في إفريقية ، ومصاحبة فريق منهم أول مستول من الفاطميين على الديار المصرية ثم الديار الشامية ، أم كان من بلاء آخرهم فخر الملك بن عمار في الدفاع عن طرابلس وصد الغارات الصليبية عنها ، أم كان فيما أسدوه إلى هذا البلد وما إليه من الأعمال من نشر علم واستبحار عمران وبذل عناية في ترقية مرافق حياة هذا البلد ، من حيث اتقان الزراعة وتفوق الصناعة وذكر مثل هذا البلاء من بني عمار ومثل تلك العناية ، مما يزيد الباحث شوقا إلى دراستهم والوقوف على تراجمهم .
وإليك طرفا مما أجمله المؤرخون من سيرتهم : ففي خطط الشام « ومما يذكر في هذا القرن ( الخامس ) أن القاضي جلال الملك أبا الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمار جدد في طرابلس دار العلم ودار الحكمة ، وذلك في سنة 472 ه لتكون مركزا من مراكز التشيع ، فنشرت العلوم والآداب وأصبحت طرابلس مباءة علم ودرس ومباراة في التعلم .
وجهز هذه الجامعة الدينية بمائة ألف مجلد وربما كانت على عهده قبل استيلاء الصليبيين عليها أول بلدة علمية في الشام على ما رأى ( فان برشم ) » .
وفي مكان آخر من الخطط : « وكان لابن عمار البلاء الحسن بل الأحسن في دفع عادية الصليبيين عن بلده . لم يترك بابا من أبواب الخلاص ليصدهم عن طرابلس إلا طرقه ، حتى دفعهم بعقله وحسن إدارته عن تملكها عشر سنين . وكان في طريق رجعتهم كالحسكة في الحلق وفي معاملة ملوك الأطراف نموذج الدهاء السياسي ، وهو على صغر جرم مملكته
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 296
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص٢٩٦