« وقد أتى صلاح الدين يوسف بن أيوب وخلفاؤه على التشيع في حلب وكان المؤذنون في جوامعها يؤذنون بحي على خير العمل . وحاول السلجوقيون الأتراك مرات القضاء على التشيع في هذه الديار ( الحلبية ) ، فلم يوفق لذلك إلا الملك الناصر صلاح الدين كما ضرب على التشيع في مصر وكان على أشده فيها على عهد الفاطميين بحيث لا يكاد عالم مصري يصرح بمذهبه إذ ذاك .
أما قول صديقنا ( وكان على أشده فيها على عهد الفاطميين الخ ) فإنّا لا نوافقه عليه وحسبك برهانا على تمكين الفاطميين مخالفيهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم ما جاء في الجزء الثالث من صبح الأعشى للعلامة القلقشندي :
وأما سيرتهم ( الفاطميين ) في رعيتهم واستمالة قلوب مخالفيهم ، فكان لهم الإقبال على من يفد عليهم من أهل الأقاليم جلّ أو دقّ ويقابلون كل أحد بما يليق به من الإكرام ، ويعوضون أرباب الهدايا بإضعافها وكانوا يتألفون أهل السنة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم ، ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد على مخالفة معتقدهم في ذلك ( بياض بالأصل ) بذكر الصحابة رضوان اللّه عليهم ، ومذهب مالك والشافعي وأحمد ظاهرة الشعار في مملكتهم بخلاف مذهب أبي حنيفة ، ويراعون مذهب مالك ، ومن سألهم الحكم به أجابوه .
وأما قوله ( بحيث لا يكاد عالم مصري يصرح بمذهبه إذ ذاك ) فيكفي في رده قول عمارة اليمني وهو الذي قتل في حبهم وفي سبيل الوفاء لهم بعد انقراض دولتهم :
أفاعيلهم في الجود أفعال سنة * وإن خالفوني في اعتقاد التشيع
وهل يطلب صديقنا برهانا على منح الفاطميين مخالفيهم حرية التصريح بمذاهبهم أنصع من هذين البرهانين اللذين أوردهما القلقشندي في صبحه .
وأما السبب في استمرار قوة التشيع في حلب مع زوال دولتهم منها فالذي يظهر لي أنه مستند إلى أمور :