ثمّ تقدّم من الغد منتصر حاجب الدمستق إلى السور فقال : أخرجوا إلينا شيخين تعتمدون عليهما ، فخرج شيخان إلى الدمستق فقربهما وقال :
إنّي أحببت أن أحقن دماءكم فتخيّروا إمّا أن تشتروا البلد أو تخرجوا عنه بأهلكم . وإنّما كان ذلك حيلة منه ، فاستأذناه في مشاورة الناس ، فلمّا كان من الغد أتى الحاجب فقال : لتخرج إلينا عشرة منكم لنعرف ما عمل عليه أهل البلد . وكان رأي أهل البلد على الخروج بالأمان ، فخرج العشرة وطلبوا الأمان ، وتدخّل الروم . فقال الدمستق : صحّ ما بلغني عنكم .
قالوا : ما هو ؟ قال : بلغني أنّكم قد أقمتم مقاتلتكم في الأزقّة مختفين ، فإذا خرج الحرم والصبيان ودخل أصحابي للنهب اغتالوهم . فقالوا : ليس في البلد من يقاتل . قال : فاحلفوا . . . فحلفوا له ، وإنّما أراد أن يعرف صورة البلد ، فحينئذ تقدّم بجيوشه إلى قبالة السور ، ولجأ الناس إلى القلعة ، ونصبت الروم سلالم على باب أربعين ، وعند باب اليهود ، وصعدوا فلم يروا مقاتلة . فنزلوا البلد ووضعوا السيف وفتحوا الأبواب ، وقضي الأمر ، وعمّ القتل والسّبي والحريق طول النهار ومن الغد ، وبقي السيف يعمل بها ستّة أيّام إلى يوم الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة ، فزحف الدمستق وابن شمشقيق على القلعة ، ودام القتال إلى الظهر ، فقتل ابن الشمشقيق من عظمائهم ونحو مائة وخمسين من الروم ، وانصرف الدمستق إلى مخيّمه ونودي : من كان معه أسير فليقتله ، فقتلوا خلقا كثيرا . ثمّ عاد إلى القلعة فإذا طلائع قد أقبلت من نحو قنّسرين ، وكانت نجدة لهم ، فتوهّم الدمستق أنّهم نجدة لسيف الدولة ، فترحّل خائفا .
وفي هذه السنة ، ورد الخبر بأن الدمستق ورد إلى حلب وملكها ، وكان الدمستق وافاها ومعه ابن أخت الملك ، ولم يعلم سيف الدولة ولا أحد بخبره لأنها كانت كبسة ؛ فلمّا علم سيف الدولة به أعجله الأمر فخرج نحوه وحاربه قليلا ، فقتل أكثر من معه ، وقتل جميع ولد داود بن حمدان وابن للحسين بن حمدان ، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير ، وظفر الدمستق بداره ، وهي خارج مدينة حلب ، فوجد لسيف الدولة من الورق ثلاثمائة وتسعون بدرة ، فأخذها ، ووجد له ألف وأربعمائة بغل فتسلّمها ، ووجد له من خزائن السّلاح ما لا يحصى كثرة ، فقبض جميعها وأحرق الدار والربض ، وقاتل أهل حلب من وراء السور ، فقتل من الروم جماعة
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني — صفحة 193
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص١٩٣