« ولمّا كانت الإدارة في ذلك العهد مختلّة معتلّة ، والولاة وطلّاب الإ مرة والسلطان منصرفين إلى تغلّب كلّ منهم على الآخر ، بكلّ وسائل التغلّب ، ومنها الاستظهار بالجند الذي كاد يكون من الأتراك والديلم .
وكان من هو أبصر بطرق جمع الأموال - والمال كلّ شيء - هو القابض على زمام شؤون الدولة ، وعلى ناصية الخليفة العباسي الاسمي . وبغداد هي النقطة المركزية التي تتلاقى عندها قوّة الطّامعين بالاستيلاء على زمام السلطة ، فإذا قلّ مال المتسلّط شغب عليه الجند ، وإذا شدّد في تحصيل الأموال من الولاة الإقطاعيين ثاروا به ، وكأنما هو في سلطانه غير المستقرّ بين عدوّين داخليّ وخارجيّ . وقد انتهى أمر بختيار ، وقد قل عنده المال ، أن استظهر عليه حاجبه سبكتكين بجند الأتراك ، ووقعت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز ، ثم عمّت العراق واشتدّت ، وكان سببها قلّة المال عند بختيار ، وكثرة إدلال جنده عليه وما إلى ذلك من الأمور ، وقد تعذّر عليه المال الذي يرضي جنده الكثيف ، وقد رأى سبكتكين الفرصة سانحة ، فاستعان بجنده من قومه الترك ، وبالشغب بين السنّة والشيعة ، وله من عصبيّة إحدى الفرقتين ما يشدّ أزره ، فكان من الأمور أن حصر الأتراك دار بختيار ، وفيها والدته ، ثم أحرقوا الدار وصادروا كلّ ما فيها .
فعظم ذلك عليه وضعفت قوته تجاه قوة خصمه سبكتكين ، وكانت والدة بختيار ، بعد محاصرتها وإحراق دار ولدها ومصادرة ما فيها ، طلبت إلى سبكتكين أن يأذن لها بالذهاب إلى واسط ، فأذن لها . « ثم إنّ بختيار سار إلى والدته وإخوته بواسط ، وكتب إلى عمّه ركن الدولة وإلى ابن عمّه عضد الدولة يستنجدهما ، وكتب إلى أبي تغلب بن حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه ، وأنّه إذا فعل ذلك أسقط عنه المال الذي عليه ، وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خلعا ، وأسقط عنه باقي المال الذي اصطلحا عليه ، وخطب إليه إحدى بناته ، وطلب منه أن يسيّر إليه عسكرا » « 1 » .
« وأمّا أبو تغلب بن حمدان فإنّه أجاب إلى المسارعة ، وأنفذ أخاه أبا عبد اللّه الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان إلى تكريت في عسكر ، وانتظر انحدار الأتراك عن بغداد ، فإن ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكا لها ، فلمّا
هامش
( 1 ) الكامل ، م 8 ص 643 - 644 .