فلمّا كان يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة صلّى الناس الجمعة ، فلمّا فرغوا تنادوا : السّلاح ! . . . السّلاح ! . . . ؛ فاجتمعوا ولبسوا السّلاح وحفظوا البلد ودخلوا قصر الإمارة ، فخرج عنها القاسم ، واجتمع معه البربر ، وقاتلوا أهل البلد وضيّقوا عليهم ، وكانوا أكثر من أهله . فبقوا كذلك نيّفا وخمسين يوما والقتال متّصل ؛ فخاف أهل قرطبة وسألوا البربر أن يفتحوا لهم الطريق ويؤمّنوهم على أنفسهم وأهليهم ، فأبوا إلّا أن يقتلوهم .
فصبروا حينئذ على القتال وخرجوا من البلد ثاني عشر شعبان ، وقاتلوهم قتال مستقتل ، فنصرهم اللّه على البربر ومن
بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
.
وانهزم البربر هزيمة عظيمة ، ولحق كلّ طائفة منهم ببلد فاستولوا عليه .
وأمّا القاسم بن حمّود فإنه سار إلى إشبيلية وكتب إلى أهلها في إخلاء ألف دار ليسكنها البربر ؛ فعظم ذلك عليهم ، وكان بها ابنا محمّد والحسن ، فثار بهما أهلها فأخرجوهما عنهم ومن معهما . وضبطوا البلد وقدّموا على أنفسهم ثلاثة من شيوخهم وكبرائهم وهم : القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد اللخميّ ، ومحمّد بن يريم الألهانيّ ، ومحمّد بن محمّد بن الحسن الزبيديّ ، وكانوا يدبّرون أمر البلد والناس . ثم اجتمع ابن يريم والزبيديّ ، وسألوا ابن عبّاد أن ينفرد بتدبير أمور الناس فامتنع ، وألحّوا عليه ، فلمّا خاف على البلد بامتناعه أجابهم إلى ذلك ، وانفرد بالتدبير وحفظ البلد .
فلمّا رأى القاسم ذلك سار في تلك البلاد ، ثم إنه نزل بشريش ، فزحف إليه يحيى ابن أخيه عليّ ، ومعه جمع من البربر ، فحصروه ثم أخذوه أسيرا ، فحبسه يحيى ، فبقي في حبسه إلى أن توفي يحيى ، وملك أخوه إدريس . فلمّا ملك قتله ، وقيل : بل مات حتف أنفه ، وحمل إلى ابنه محمّد ، وهو بالجزيرة الخضراء فدفنه . وكانت مدّة ولاية القاسم بقرطبة ، مذ تسمّى بالخلافة إلى أن أسره ابن أخيه ، ستّة أعوام ، وبقي محبوسا ستّ عشرة سنة إلى أن قتل سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة . وكان له ثمانون سنة ،