مقتل الآمر وخلافة الحافظ :
كان الآمر مؤثرا للذاته طموحا إلى المعالي وقاعدا عنها ، وكان يحدث نفسه بالنهوض إلى العراق في كل وقت ثم يقصر عنه ، وكان يقرض الشعر قليلا ، ومن قوله :
أصبحت لا أرجو ولا أتقي * إلا إلهي وله الفضل
جدي نبيي وإمامي أبي * ومذهبي التوحيد والعدل
وكانت الغداوية تحاول على قتله فيتحرز منهم ، واتفق أن عشرة منهم اجتمعوا في بيت ، وركب بعض الأيام إلى الروضة ، ومر على الجسر بين الجزيرة ومصر ، فسبقوه فوقفوا في طريقه ، فلما توسط الجسر انفرد عن الموكب لضيقه ، فوثبوا عليه وطعنوه ، وقتلوا لحينهم .
ومات هو قبل الوصول إلى منزله سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، لتسع وعشرين سنة ونصف السنة من خلافته . وكان قد استخلص مملوكين وهما برغش العادل وبرعوارد هزير الملوك ؛ وكان يؤثر العادل منهما . فلما مات الآمر تحيلوا في قيام المأمون عبد الحميد بالأمر ، وكان أقرب القرابة سنا وأبو القاسم بن المستضيء معه . وقالوا إن الآمر أوصى بأن فلانة حامل فدلته الرؤية بأنها تلد ذكرا فهو الخليفة بعدي وكفالته لعبد الحميد ، فأقاموه كافلا ولقبوه الحافظ لدين اللّه ، وذكروا من الوصية أن يكون هزير الملوك وزيرا ، والسعيد باس من موالي الأفضل صاحب الباب ؛ وقرأوا السجل بذلك في دار الخلافة .
ولاية أبي علي بن الأفضل الوزارة ومقتله :
ولما تقرر الأمر على وزارة هزير الملوك وخلع عليه أنكر ذلك الجند ، وتولى كبر ذلك رضوان بن وغش كبيرهم ، وكان أبو علي ابن الأفضل حاضرا بالقصر ، فحثه برغش العادل على الخروج حسدا لصاحبه وأوجد له السبيل إلى ذلك ، فخرج وتعلق به الجند وقالوا : هذا الوزير ابن الوزير ، وتنصل فلم يقبلوا ، وضربوا له خيمة بين القصرين وأحدقوا به وأغلقت أبواب القصر فتسوروه وولجوا من طيقانه .