ثم توفي أمير الجيوش بدر الجمالي سنة سبع وثمانين [ وأربعمائة ] في ربيع الأول لثمانين سنة من عمره . وكان له موليان أمين الدولة لاويز ونصير الدولة أفتكين ، فلما قضى بدر نحبه استدعى المستنصر لاويز ليقلّده ، فأنكر ذلك أفتكين ، وركب في الجند وشغبوا على المستنصر ، واقتحموا القصر ، وأسمعوه خشن الكلام ، فرجع إلى ولاية ولد بدر ، وقدّم للوزارة ابنه محمدا الملك أبا القاسم شاه ، ولقبه بالأفضل مثل لقب أبيه . وكان أبو القاسم بن المقري رديفا لبدر في وزارته بما كان اختصه لذلك ، فولى بعد موته الوزارة المقري ، وكانت عندهم عبارة عن التوقيع بالقلم الغليظ . وقام الأفضل أبو القاسم بالدولة ، وجرى على سنن أبيه في الاستبداد .
وكانت وفاة المستنصر قريبا من ولايته « 1 » » .
وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي :
« ثم توفي المستنصر معدّ بن الظاهر يوم التروية سنة سبع وثمانين [ وأربعمائة ] لستين سنة من خلافته ، ويقال لخمس وستين بعد أن لقي أهوالا وشدائد ، وانفتقت عليه فتوق استهلك فيها أمواله وذخائره حتى لم يكن له إلا بساطه الذي يجلس عليه ، وصار إلى حد العزل والخلع ، حتى تدارك أمره باستقدام بدر الجمالي من عكا ، فتقوّم أمره ومكنه في خلافته .
ولما مات خلف من الولد أحمد ونزارا وأبا القاسم . وكان المستنصر فيما يقال قد عهد لنزار ، وكانت بينه وبين أبي القاسم الأفضل عداوة فخشي بادرته ، وداخل عمته في ولاية أبي القاسم ، على أن تكون لها كفالة الدولة ، فشهدت بأن المستنصر عهد له بمحضر القاضي والداعي ، فبويع ابن ستّ ، ولقّب المستعلي باللّه ؛ وأكره أخوه الأكبر على بيعته ، ففرّ إلى الإسكندرية بعد ثلاث ، وبها نصير الدولة أفتكين مولى بدر الجمالي الذي سعى للأفضل ، فانتقض وبايع لنزار بعهده ، ولقّب المصطفى لدين اللّه .
وسار الأفضل بالعساكر وحاصرهم بالإسكندرية ، واستنزلهم على الأمان وأعطاهم اليمين على ذلك ، وأركب نزارا السفن إلى القاهرة وقتل بالقصر .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن خلدون : م 4 من ص 136 إلى ص 138 .