وحضر أهل القيروان وبويع للمهدي البيعة العامة ، واستقام أمره ، وبثّ دعاته في الناس ؛ فأجابوا إلّا قليلا عرض عليهم السيف .
وقسّم الأموال والجواري في رجال كتامة ، وأقطعهم الأعمال ودوّن الدواوين ، وجبى الأموال ، وبعث العمال في البلاد : فبعث على طرابلس ماكنون بن ضبارة الألجائي ، وعلى صقلّية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير ، فسار إليها ونزل البحر . ونزل مازر في عيد الأضحى من سنة سبع وتسعين ، فاستقضى إسحاق بن المنهال ، وولّى أخاه على كريت . ثم أجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى العدوة الشماليّة ، ونزل بسيط قلوريّة من بلاد الإفرنج ، فأثخن فيها ، ورجع إلى صقلية فأساء السيرة في أهلها ، فثاروا به وحبسوه وكتبوا إلى المهدي فقبل عذرهم ، وولى عليهم مكانه عليّ بن عمر البلوي فوصل خاتم تسع وتسعين « 1 » » .
مقتل أبي عبد اللّه الشيعي وأخيه :
« لمّا استقام سلطان عبيد اللّه المهديّ بأفريقية استبدّ بأمره ، وكفح أبا عبد اللّه الشيعي وأخاه أبا العباس عن الاستبداد عليه ، والتحكم في أمره ، فعظم ذلك عليهما ، وصرح أبو العبّاس بما في نفسه ، فنهاه أخوه أبو عبد اللّه عن ذلك فلم يصغ إليه . ثم استماله أبو العباس لمثل رأيه فأجابه .
وبلغ ذلك إلى المهدي فلم يصدقه ، ثم نهى أبا عبد اللّه عن مباشرة الناس ، وقال إنه مفسد للهيبة ، فتلطف في رده ولم يجبه إليه ، ففسدت النيّة بينهما ، واستفسدوا كتامة وأغروهم به وذكروهم بما أخذه من أموال ايكجان واستأثر به دونهم . وألقوا إليهم أنّ هذا ليس هو الإمام المعصوم الذي دعونا إليه ، حتى بعث إلى المهدي رجل كان في كتامة يعرف بشيخ المشايخ وقال له : جئنا بآية على أمرك ، فقد شككنا فيك ، فقتله المهديّ .
ثم عظمت استرابتهم ( شوكتهم ) واتّفقوا على قتل المهديّ . وداخلهم في ذلك أبو زاكي تمام بن معارك ، وغيره من قبائل كتامة .
ونمي الخبر إلى المهديّ فتلطّف في أمرهم ، وولّى من داخلهم من
هامش
( 1 ) تاريخ ابن خلدون : م 4 من ص 70 إلى ص 76 .