طالب من وقعة فخ - هذه في خلافة الهادي - ووقوعه إلى مصر ، وعلى بريدها واضح مولى لصالح ابن أمير المؤمنين المنصور قال : وكان رافضيا خبيثا ، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها ( وليلة ) ، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر ؛ فضرب الهادي عنق واضح وصلبه ، ويقال إن الرشيد الذي ضرب عنقه ، وإنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي وكتب له كتابا إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على أفريقية ، فخرج حتى وصل إلى ( وليلة ) وذكر أنه من أوليائهم ، ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه .
وأقبل الشماخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له ، فنزل عنده بكل منزلة ، ثم إنه شكا إليه علة في أسنانه ، فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته . فلما طلع الفجر استن إدريس بالسنون وجعل يرده في فيه ويكثر منه فقتله ؛ وطلب الشماخ فلم يظفر به .
وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه ، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس ؛ فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك فولى الشماخ وأجازه ، فقال في ذلك بعض الشعراء :
أتظنّ يا إدريس أنك مفلت * كيد الخليفة أو يفيد فرار
فليدركنّك أو تحل ببلدة * لا يهتدي فيها إليك نهار
إن السيوف إذا انتضاها سخطة * وطالت وقصّر دونها الأعمار
ملك كأن الموت يتبع أمره * حتى يقال تطيعه الأقدار
وذكر الفضل بن العباس الهاشمي أن عبد اللّه بن محمد المنقري حدثه عن أبيه قال : دخل عيسى بن وأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ ، فوجده خائفا يلتمس عذرا من قتل من قتل ، فقال له : أصلح اللّه الأمير أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علي ( رض ) ، قال : أنشدني ، فأنشده :
يا أيها الراكب الغادي لطيته * على عذافرة « 1 » في سيرها قحم
هامش
( 1 ) عذافرة : الشديد من الإبل ، الجمع : عذافرة .