تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
غير أن هذا الرخاء الذي كانت تتمتع به مصر في ذلك الحين لم يدم طويلا ، فقد حلت بالقاهرة الأيام السيئة ، وعاودتها المصائب التي لم تشعر بها قبل قرن من تأسيسها . فقد عم الوباء والقحط مصر في سنة 446 ه ، وانقطع ماء النيل ، فأهملت الزراعة ، وانتشرت المجاعة ، وعم الوباء الذي يعتبر أطول وباء عرفته مصر في العصور الوسطى ، وامتد ثماني سنين ( 446 - 454 ه ) ، ونكبت به جميع الأمم الإسلامية من مصر إلى سمرقند ، ودونت عنه قصص مروعة ، حتى قيل إنه كان يموت بمصر كل يوم عشرة آلاف نفس . وعدمت الأقوات حتى أكل الناس الكلاب والقطط ، ثم أكل بعضهم بعضا . وليس أدل على الفوضى التي سادت مصر في ذلك العهد من تقلد أربعين وزيرا في تسع سنوات بعد قتل الوزير اليازورى في سنة 450 ه . ثم عاد القحط والغلاء وما اعقبه من الوباء والموت في سنة 459 ه ، وظلت الحال كذلك حتى سنة 464 ه . واقترنت هذه الشدة التي اصطلح المؤرخون على تسميتها « الشدة العظمى » بقيام الفتن والحروب الأهلية ، حتى تدارك مصر بدر الجمالى والى عكاء ، الذي استدعاه الخليفة المستنصر في سنة 466 ه . فأعاد النظام ووجه همه إلى إصلاح حال البلاد وقضى على المفسدين « 1 » . ولما مات المستنصر سنة 487 ه ، بويع ابنه المستعلى دون أخيه الأكبر نزار الذي ولاه أبوه عهده ، وشرع في أخذ البيعة له أثناء مرضه ، غير أن الوزير الأفضل ابن بدر الجمالى أخذ يماطل الخليفة حتى توفى . ويرجع ذلك على ما ترويه بعض المراجع العربية إلى أن الأفضل دخل مرة أحد أبواب قصر المستنصر راكبا بغلة ، فلما رآه نزار ، قال له : انزل يا أرمنى يا نجس . فحقد عليه الأفضل ، وانتهز فرصة وفاة المستنصر وحال بينه وبين الخلافة ؛ فاجتمع بالأمراء وكبار رجال الدولة ، وأثار مخاوفهم من نزار ، وأشار عليهم بتولية أخيه الصغير أبى القاسم أحمد ، ثم بايعه ولقبه المستعلى باللّه ، وأخذ قاضى القضاة البيعة له من كبار رجال الدولة وأعيانها ، ودعا الأفضل إسماعيل وعبد اللّه ابني المستنصر لمبايعة أبى القاسم ، فبايعاه . ولما رأى نزار أن الخلافة أفلتت من يده ، سار إلى الإسكندرية مع أخيه عبد اللّه ، وابن مصال اللكى ، فتقبله وإليها ناصر الدين أفتكين التركي قبولا حسنا وبايعه هو وأهل الإسكندرية بالخلافة ولقبوه « المصطفى لدين اللّه » . فلما علم الوزير الأفضل بذلك ، خرج لقتال نزار على رأس جيش كثيف ، فدارت الدائرة على الأفضل أولا وعاد
هامش
( 1 ) ابن ميسر : تاريخ مصر ص 13 - 23 ، 34 .