كما وصفه ابن الأثير : « رجلا ديّنا خيّرا حازما داهية مجربا » ، وأنه أحسن السيرة في الرعية ولم يأخذ منهم سوى الزكاة « وكان أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة واتباع الشريعة ، فاستغاث به أهل المغرب ، فسار إليها وافتتحها حصنا حصنا وبلدا بلدا بأيسر سعى ، فأحبه الرعايا وصلحت أحوالهم . . وملك البلاد المتصلة بالحجاز ، مثل سبتة وطنجة وسلا وغيرها » « 1 » .
قامت الدولة المرابطية على أساس ديني ، ومع ذلك فإن تلك الفترة التي بدأت بحكم يوسف بن تاشفين يمكن أن تعتبر فترة سياسية أكثر منها دينية ، إذ كانت السيادة فيها لقبيلة صنهاجة الصحراوية على قبيلة زناتة صاحبة الأمر في المغرب قبل قيام الدولة المرابطية ، ولكي يضمن يوسف بن تاشفين بقاء السيادة لقبيلته ، نراه يصانع قبائل المصامدة الجبلية ، فيبدأ بها عبد اللّه بن ياسين في توزيع خمس الغنائم التي استولى عليها في حرب درعة وسجلماسة على فقهاء المصامدة « 2 » ، وبعد يوسف ابن تاشفين أول ملك بربرى حكم المغرب وكوّن جيشا قويا تتمثل فيه جميع القبائل المغربية بصفة عامة .
( 3 ) موقعة الزلاقة :
ولا يقف طموح يوسف بن تاشفين عند بسط سلطانه على المغرب الأقصى ، بل إنه كون أعظم دولة مغربية للمرة الأولى في التاريخ المغربي وهي الدولة المرابطية ، إذ امتد سلطانه من السودان جنوبا إلى جبال البرانس شمالا ، ومن المحيط الأطلسى غربا إلى حدود تونس شرقا ، بل لقد اعتبر بعض المؤرخين يوسف بن تاشفين أعظم حكام المسلمين في عصره ، إذ كانت الدولة العباسية في المشرق قد تطرق إليها الضعف والانحلال ، وأخذت الدولة الفاطمية في الأفول ، واتخذ الصليبيون من هذا الضعف فرصة للاستيلاء على المدن المقدسة بفلسطين وغيرها من البلاد التي امتد إليها ظل الإسلام ، وشدد نصارى الأندلس بصفة خاصة الخناق على ملوك الطوائف ، وكاد حكم هذه البلاد يخرج من أيدي المسلمين ، لولا أن قيّض اللّه لهم يوسف ابن تاشفين الذي لبى نداء ملوك الطوائف ورد جيوش الفونس السادس على أعقابهم .
هامش
( 1 ) الكامل ج 9 ص 232 .
( 2 ) ابن أبي زرع روض القرطاس ج 2 ص 85 .