وكان المهدى أحسن الخلفاء العباسيين - سيرة وأظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة . وكان يتشبه بعمر بن عبد العزيز ويقول : إني أستحيى أن يكون في بني أمية مثله ولا يكون مثله في بنى العباس . وكان يجلس للمظالم فيحكم بين الناس بالقسطاس المستقيم ، كما كان يتقلل في مأكله وملبسه « 1 » .
روى إبراهيم بن مخلد بن محمد بن عرفه عن بعض الهاشميين قال إن المهتدى وجدوا سقطا فيه جبة صوف وكساء وبرنس . وكان يلبسه في الليل ويصلى فيه ويقول : أما تستحى بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ؟ وكان قد أطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب ومنع أصحاب السلطان عن الظلم . وقد أثر عنه أنه كان إذا صام أفطر على الخبز والزيت والخل والملح « 2 » .
المعتمد على اللّه ( 256 - 279 ه ) :
وسرعان ما اجتمعت كلمة الأتراك على الخليفة المهتدى في شهر رجب سنة 256 ه ، وبايعوا المعتمد بن المتوكل بالخلافة ، وكان إذ ذاك محبوسا بالجوسق . يقول صاحب الفخري ( ص 226 ) : « وقد غلب أخوه الموفق حتى لم يبق له من الخلافة إلا اسمها .
وذلك أن صاحب الزنج أو ادعى آل على ، لما ثار في وجه الخلافة العباسية واستفحل أمره في هجر وبلاد البحرين ، وقدم البصرة ، أنفذ الخليفة المعتمد إلى مكة رسولا أحضر أخاه أبا طلحة ( 257 ه ) - وكان الخليفة المهتدى قد نفاه إليها - وولى عهده ابنه جعفر ، وسماه المفوض إلى اللّه ، وولى أخاه أباه أحمد طلحة من بعده وسماه الموفق ، وقسم الدولة العباسية بين ابنه وأخيه ، فخص الموفق بالبلاد الشرقية ، وولى المفوض البلاد الغربية ، وضم إليه موسى بن بغا ، وولاه إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان وغيرها ، فحكمها باسمه ؛ واتخذ موسى ابن عبيد اللّه بن سليمان بن وهب كاتبا له . وشرط الخليفة أن يختص المفوض والموفق كل بعمله ينظر أحدهما في عمل الآخر ، وأن يقوم كل منهما بالفقة على قسمه من خراج ذلك القسم ، وأمر بكتاب البيعة فحفظ في الكعبة . على أن هذا العمل لم يرض الموفق ، لما كان يضمره لأخيه من حسد ، وما كان يراه من عدم أهليته للخلافة ؛ وزاد في حقده عليه تقديمه ابنه المفوض عليه في الخلافة . يقول صاحب
هامش
( 1 ) الفخري ص 222 - 223 .
( 2 ) ابن الأثير ج 7 ص 83 - 84 .