ثم سار العباس حتى وصل إلى مدينة لبدة ، فخرج إليه عاملها وأهلوها مرحبين ، فازدادت نفسه غرورا ، وقبض على عاملها وأباح المدينة لجنده ، فنهبوا أموالها وقتلوا رجالها واستباحوا نساءها ، فاستغاث أهلها بإلياس بن منصور صاحب نفوسه وزعيم الإباضية من الخوارج . وقد أرسل إليه العباس بن أحمد بن طولون رسولا من قبله يأمره بالإدعان والخضوع ، فقال إلياس للرسول : « قل لهذا الغلام : أما أنك أقرب الكفار منى وأحقهم بمجاهدتى ، فقد بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعني التخلف معه عن جهادك . وأنا على إثر رسالتي إليك » « 1 » . وسرعان ما أرسل إليه جيشا من 000 ر 12 مقاتل ، وجرد ابن الأغلب لقتاله جيشا آخر ، فهزم العباس وعاد إلى برقة « 2 » .
« كان إبراهيم - كما وصفه ابن الأثير ( ج 7 ص 101 - 202 ) - عادلا حازما في أموره ، آمن البلاد وقتل أهل البغى والفساد . وكان يجلس للعدل في جامع القيروان يوم الخميس والاثنين ، يسمع شكوى الخصوم ويصبر عليهم وينصف بينهم . . وكان عاقلا حسن السيرة محبا للخير والإحسان ، تصدق بجميع ما يملك ووقف أملاكه جميعها . وكانت له فطنة عظيمة بإظهار خفايا العملات « 3 » .
توفى إبراهيم الثاني في شهر ذي القعدة سنة 289 ه ، بعد أن حكم ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر واثنى عشر يوما .
بوبع عبد اللّه أبو العباس بن إبراهيم الثاني بعد أبيه ، ولكنه لم يبق في الإمارة سوى تسعة أشهر واحد عشر يوما ، ثم قتل بيد غلمانه . وقد قيل إن ذلك حدث بإيحاء ابنه زيادة اللّه فخلفه ابنه زيادة اللّه الثالث ، وكان أبوه قد قبض عليه وحبسه إذ بلغه أنه يريد الخروج عليه .
وكان زيادة اللّه آخر أمراء الأغالبة ببلاد المغرب . وفي عهده بدأت أعمال أبى عبد اللّه الشيعي دعى الفاطميين ، فوقع في يده كثير من المدن . وقضى زيادة اللّه أيامه في اللهو والترف ، وكان وزراؤه لا يبالون إلا بنجاح المذهب الشيعي الذي اعتنقه معظمهم ، وساعدوا
هامش
( 1 ) ابن الداية : سيرة أحمد بن طولون ص 61 .
( 2 ) المقريزي : خطط 1 ص 320 .
( 3 ) لعله يريد بالعملات جمع عملة يعنى المكيدة كما يعبر عنها العوام وكما يفهم من سياق القصة التي ذكرها ابن الأثير .