على أن محمدا الأول لم يكد ينتهى من ثورة أخيه أحمد عليه في سنة 232 ه ، حتى فوجىء في السنة التالية بثورة سالم بن غلبون أمير الزاب ، الذي دارت الدائرة عليه وقتل . وفي سنة 234 ه خرج عمرو بن سليم التجيبى فقضى عليه محمد بن الأغلب في سنة 236 ه وقتله ، ودخل مدينة تونس واستولى عليها من أنصار التجيبى .
ولما فرغ محمد الأول من هذه الثورات ، تفرغ للاستيلاء على جزيرة صقلية ، واهتم بهذه الحرب اهتماما جعله في مرتبة الجهاد ضد الروم . وقد تولى العباس بن الفضل الفزاري تتمة الفتح : ففتح بين سنتي 237 ، 247 ه قصريانة « 1 » وقطانية وسرقوسة . ويظهر أن المسلمين كانوا يستولون على هذه المدن ثم لا يلبثون أن يتخلوا عنها تحت ضغط الروم ، فكانت حرب المسلمين في هذه الجزيرة ، كما يقولون ، حربا مائعة غير ثابتة « 2 » .
وفي سنة 242 ه توفى محمد بن الأغلب بعد أن حكم خمس عشرة سنة وثمانية أشهر واثنى عشر يوما ، فخلفه ابنه أحمد ( 242 - 249 ه ) « وكان - كما يقول ابن عذارى « 3 » - حسن السيرة كريم الأخلاق والأفعال ، من أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعية ، مع دين واجتناب للظلم عن حداثة سنه وقلة عمره . وكان يركب في ليالي شعبان ورمضان ، وبين يديه الشمع ، فيخرج من القصر القديم فيمشى حتى يدخل من باب أبى الربيع ( أحد أبواب القيروان ) ومعه دواب بالدراهم ، فكان يعطى الضعفاء والمساكين حتى ينتهى إلى المسجد الجامع بالقيروان ) ومعه دواب الدراهم ، فكان يعطى الضعفاء والمساكين حتى ينتهى إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه يدعون له » .
ولم يطل حكم أحمد حيث توفى سنة 249 ه ، فخلفه أخوه زيادة اللّه الثاني بن محمد ( 249 - 250 ه ) ، ولكنه لم يلبث أن توفى بعد سنة واحدة وستة أيام ، وتولى بعده ابن أخيه محمد الثاني بن أحمد ( 250 - 261 ه ) ، ويلقب بأبى الغرانيق ، لأنه كان مولعا بصيد الغرانيق ، حتى إنه بنى قصرا يخرج إليه ليصيدها ، أنفق عليه ثلاثين ألف مثقال من الذهب . وقد وصفه ابن عذارى « 4 » في هذه العبارة فقال إنه كان مسرفا في العطاء مع حسن سيرته في الرعية ، ثم غلبت عليه اللذات .
هامش
( 1 ) قال أبو الفدا ( المختصر في أخبار البشر ج 2 ص 38 ) إن قصريانة « هي المدينة التي بها دار الملك بصقلية ، وكان الملك يسكن موقوسة « يقصد سرقوسة » . فلما أخذ المسلمون بعض الجزيرة انتقل الملك إلى قصريانة لحصانتها ، ففتحها العباس في سنة 237 ه . . . وبنى بها مسجدا في الحال ونصب فيها منبرا ، وخطب وصلى الجمعة .
( 2 ) النويري : نهاية الأرب في فنون الأدب ، المكتبة الصقلية ج 1 ص 431 - 433 .
( 3 ) البيان المغرب ج 1 ص 105 .
( 4 ) المصدر نفسه ج 1 ص 107 وما يليها .