وصول العدو إليهلم يحل دون ما قد يحدث إذا شغب عليه الجند ولقد برهنت الأيام على أنه لم يكن آمنا كل الأمن على نفسه بإقامته في بغدادإذ قد وقع هذا الشغب فعلا حين قام عليه جنده وحاربوه على أحد أبواب بغداد وهو باب الذهب فأشار عليه أحد رجال دولته ببناء الرصافة وقال له : « اعبر بابنك المهدى » فأنزله في الجانب ( الشرقي من بغداد ) قصراو حولهو حول من جيشك معه قوما فيصير ذلك بلدا ؟ ؟ ؟ ، وهذا بلدا . فإن فسد عليك أهل هذا الجانب ضربتهم بأهل ذلك الجانبو إن فسد عليك أهل ذلك الجانب ضربتهم بأهل هذا الجانبو إن فسدت عليك مضر ضربتها باليمن وربيعة والخراسانيةو إن فسدت عليك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مضر وغيرها . فقبل ( المنصور ) رأيه فاستوى له ملكه » .
وقد اتخذت الرصافة في الأصل ثكنات للجيشو سميت « رصافة بغداد » وبغداد الشرقية لأنها تقع في الجهة الشرقية من دجلة المقابلة لمدينة بغدادو بنى لها المنصور سوراو حفر حولها خندقاو جعل فيها ميدانا فسيحا ومسجدا وبستاناو أجرى الماء فيهافنم ذلك في خلافة ابنه المهدى سنة 159 ه « 1 » .
وسرعان ما عمرت الرصافة حتى قاربت بغداد في الاتساعفظهرت فيها الحدائق والمنتزهاتو الميادين الواسعةو المباني الضخمةكما تجلت فيها مظاهر الخلاعة والملاهي . وفي ذلك يقول علي بن الجهم الشاعر .
عيون المها بين الرّصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
وقد أحصى اليعقوبي « 2 » طرق الرصافة ودروبهاو وصف أسواقها وتجارتها وقال إنه كان بها أربعة آلاف درب وسكةو خمسة عشرة ألف مسجدو خمسة آلاف حمامإلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من المبالغة .
وقال نخلة المدور « 3 » إن أهالي بغداد توسعوا في تعمير الجانب الشرقي لمدينة بغداد المعروف بالرصافةفبنوا فيه القصور الرفيعة والمنازل المزخرفةو اتخذوا
هامش
( 1 ) الطبري ج 9 ص 282 .
( 2 ) كتاب البلدان ص 253 - 254 .
( 3 ) حضارة الإسلام في دار السلام ص 92 - 93 .