فرضى السفاح عنه وأجزل له العطاء .
وكان السفاح يطرب من وراء الستر ويصيح بالمطرب له من المغنين : أحسنت واللّه فأعد هذا الصوت . وكان لا ينصرف عنه أحد من ندمائه ولا مطربيه إلا بصلة من مال أو كسوةو يقول : لا يكون سرورنا معجلا ومكافأة من سرنا وأطربنا مؤجلا ؛ على أنه سرعان ما احتجب عن ندمائه .
وكان السفاح إذا أحضر طعامه أبسط ما يكون وجهافكان إبراهيم بن مخرمة الكندي إذا أراد أن يسأله حاجة أخرها حتى يحضر طعامه ثم يسألهفقال له السفاح يوما : يا إبراهيم ما دعاك إلى أن تشغلنى عن طعامي بحواتجك ؟ قال :
يدعوني إلى ذلك التماس النجح لما أسأل . قال أبو العباس : إنك لحقيق بالسؤدد لحسن هذه الفطنة « 1 » .
ويحدثنا المسعودي « 2 » عن زواج السفاح قبل توليته الخلافة من أم سلمة .
وكانت قد تزوجت من عبد اللّه بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، فمات وتزوجت بعده من عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك الأموي فمات . فبينا هي ذات يومإذ مر بها أبو العباس السفاحو كان جميلا وسيمافسألت عنهو أرسلت له مولاة لها تعرض عليه أن يتزوجهاو قالت لمولاتها : قولي له : هذه سبعمائة دينار أوجه بها إليك . وكانت تمتلك كثيرا من المال والحشم والجواهر . فأنته المولاة وعرضت عليه ذلكفقال السفاح : أنا مملق لا مال عندىفدفعت إليه المالو أقبل إلى أخيها وطلب إليه أن يزوجه منهافزوجه إياهافأصدقها خمسمائة دينارو أهدى من يلوذ بها مائتي دينارو زفت إليه في ثياب موشاة بالجواهرو حظيت عنده حتى أصبح لا يقطع أمرا إلا بمشورتها حتى أفضت الخلافة إليه .
فلما كان ذات يوم في خلافتهخلا به خالد بن صفوان فقال له : يا أمير المؤمنين ! إني فكرت في أمرك وسعة ملككو ملكت نفسك امرأة واحدةفإن مرضت مرضت وإن غابت غبت وحرمت نفسك التلذذ باستظرافه
هامش
( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 218 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 2 ص 215 - 217 .